الأحد، 4 سبتمبر 2016

عرض تحليلي نقدي لقصة "ألحافة" للقاص عبد الصاحب محمد البطيحي....بقلم الناقد العراقي.....علي البدر

- أيشرب الخمر؟
- كلا.
- ايطلب سيكارة؟
- كلا.
- ألديه سيارة؟
- كلا.
- أهو مثلي في رأسه شضية من لعبة الحرب؟
بهذا الحوار مع أمه حول الخطيب الذي سيتقدم لأخته، نزداد يقينا بأنه عسكري خارج الخدمة بسبب اصابة أعاقته من المواصلة. ولم يبد هذا الحوار غريباً لأن تفاصيل السرد أعطت شواهد عديدة. وتتفاقم مشكلته ومعاناته ليواصل شرب الخمر هروباً من واقع مؤلم. "في الليل كان صوته يعلو قبل الكأس الثانية، بعدها ينتشي... وتطوف ابتسامة حالمة، ثم ساخرة، ثم ساخطة." بين النشوة والسخط، جسر يوصل بينهما.. أجل ذلك الجسر هو تلك اللحظات الساخرة التي تقربه من واقعه المبعد لاشعورياً الى اللاوعي حيث خزين التجارب المرة التي تضغط عليه لتتحول الى صياح وربما بكاء أو شراسة ونادراً ما يقترب من الوداعة. وتأتي اليد الحنونة من أخيه مربتة على كتفه لتهدئته ولكن بدون جدوى فقد ان الأوان للتخلص من القهر الداخلي المدمر. وكلما أوغل بالأنفعال تزداد الصعوبة في السيطرة على سلوكه حيث تتفجر انفعالاته و "يروح يعربد، ذراعاه أفعى تصارع أفعى.." ليهدأ قليلاً و "ينسل طيف من الأنا يطفو على السطح.." لتأتي لحظات هدوء و "يشعر أنه بات رزينا." وتأتي لحظات التفكير لأصدار قرار يطلق العنان لنفسه بأصدار الأوامر لتبدأ صرخة مدوية في أعماقه "أطلق الأوامر" فتزداد انفعالاته ليستجيب لصرخة أخري "هيا ابدأ التسلط." وتتزاحم الأوامر في ذهنة ولكن لمن؟ أجل ينظر حوله فيرى أهل بيته وعيوناً ساخرة منه. فيا ترى على من تسري أوامره؟
ويحاول في اليوم الثاني البحث عمن يستوعب أوامره بشن هجوم كاسح على عدوه فيمتد بصره نحو شارع ممتد ويأمر من حوله بالهجوم، لكنه سرعان ما يفاجأ بهجوم مقابل فينبطح على الأرض ثم ينهض من غير هدى بين المارة بعد أن اختلط واقعه بخياله فيفقد زمام أمره ويطلب سيكارة من رجل وناراً من اخر " توقف عند الرصيف... أشار الى سيارة بالتوقف... ألقى السائق نظرة عليه ... من الرأس الى القدم، استدار الى من يجاوره وكأنه لم يره..." أجل لم ير اذنا صاغية من بيته لأنه بالأصل لم يصغ أو يذعن لطلب الهدوء والسكينة فكيف الحال مع المارة وهم غرباء؟ لم يبد قسم منهم التعاطف معه وانما الأستهزاء والسخرية وهذا للأسف متعارف في مجتمعنا فان كان المريض به خيط من الجنون نراه يزدا جنوناً يوم بعد اخر..
"ويصفق الباب خلفه عند الصباح، يخرج برداء عسكري... وعلى ذراعه هناك شريط أحمر." ويبدو من هذا الوصف انه جندي فقد أعطانا الكاتب ومضة مضيئة flash point استعملها بذكاء لمساعدة المتلقي بفهم شخصيته وكان وصفه للشارع رائع فهو "عريض لا اعوجاج فيه يمتد، وعلى امتداده يأخذ الرصيفان بالتقارب... يلتقيان في بؤرة يقول عنها انها الهدف"
وهذا اللقاء هو نقطة التلاشي في الرسم الهندسي ولكن ما الذي يدفع هذا الجندي المعاق من أعطاء الأوامر والزحف على العدو ليتعثر فجأة ويهمس: أللعنة بدأوا الهجوم المعاكس" حيث يبقى "جسده ممددا على قارعة الطريق." وكأنسان مصاب، يفترض أن يكره الحرب كرد فعل لا أرادي أكان جندياً أو مواطناً مدنياً وقد نعطي تبريراً Justification ونقول ان كرهه للطرف الذي يحاربه شديد وقد زاد هذا من اصراره على ارتداء الزي العسكري "سترة متهرئة، متهدلة، تنحدر الى أسفل الركبة، وبنطال عريض، مرتق، ترقد نهاياته على حذاء قديم."
وكان لابد من الأشارة لنجاح الكاتب في اجبارنا على المواصلة واعادة القراءة باستعماله سرداً نقش بعناية وبذكاء من خلال السرد الذي امتزج به ضمير الغائب مع السارد نفسه ولم نشعر بأية فجوة ولو بسيطة، وأراني مقتنع بأن وصف الكاتب لهذه الشخصية جعلنا نقتنع بأنها غير سوية وتقارب الجنون لكن رداً غريباً منه قد يوحي عكس ذلك عندما يأخذ سيكارة من أحد الأشخاص ويطلب ناراً من اخر وهو يريه السيكارة: 
- "اعطني نارا.ً 
- لم تريد النار؟
- يلوح بيده والسيكارة بين أصابعه..لأحرق الدار.." وبالطبع فهو يصفه بالغباء بصورة غير مباشرة وكأنه يقول ماذا دهاك أيها الغبي، أما ترى السيكارة في يدي؟ وأحيانا بل غالباً ما يكون التكرار يهبط جزءاً من النص، لكن الحقيقة تقول انه في هذه القصة الكثير من الضربات الرائعة الأخاذة وأراها تقوي النص وتجعل عدم ضرورة التكرار ليست مؤثرة في جمالية وعمق النص. "وعليه أن يقرر: ما يأخذ وما يترك، القرار يتطلب معرفة، والمعرفة تتطلب التركيز، والتركيز يتطلب ارادة، والارادة نار في هيكل ملتهب، واللهب يحرق كما تحرق الخمرة، والخمرة تحيل قامته منتصبة..."
جميل من القاص أن يصور لنا بل يرسم سيناريو كاملاً عن مأساة انسان بسيط جعلتنا نتعاطف معه واعترف بأنني تعاطفت معه خاصة عندما فشل هجومه على العدو وبرره بالخيانة.. وما أكثرها فقد فاحت رائحتها لتصل الى المجانين، وها هو قد "وقف على قدميه ، ازدادت مشيته استقامة، زم شفتيه، لوح في الهواء بيديه، أخذ يتمايل وينشد." ويبقى السؤال: يا ترى ماذا ينشد للحرب؟ أخشى أن يردد تلك الأنشودة التي استمرت تصرخ باذاننا: احنه مشينه مشينه للحرب... عاشق ويحب محبوبته.. حيث امتلأت المقابر لكننا لم نسمع بكاء تلك المحبوبة علينا..
وأخيرا أجد نفسي سعيداً لوجود هكذا أديب بيننا.. القاص الأديب عبد الصاحب محمد البطيحي.. تحياتي وأشكرك لأنني أمضيت لحظات سعيدة ومتسارعة مع قصتك..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق