الأربعاء، 21 سبتمبر 2016

حسـين السـاعدي....العراق....يكتب مقالة الشاعر مهدي سهم الربيعي أشكالية التمـرد/الـذات/المـوت


يمكن أن نلج الى عالم الشاعر (مهدي سهم الربيعي) من خلال ديوانه الموسوم (جريمة العصيان) الذي بانت فيه كل نوازعه وخلجاته وملامحه ومكابداته بما تضمنته نصوصه الشعرية . ونحن نعرف جيداً أن العنوان أهم عناصر النص كونه عتبة النص ويشكل مدخلا ً أساسياً ، فهو أول ما تقع عليه عين المتلقي . وقد عرفه (ليوهويك)بكونه (مجموعة من الدلائل اللسانية) ، أن الإشكالية تبدأ من عنوان الديوان عندما وصف العصيان بالجريمة . والعصيان يعني (التمرد) وهو رفض تنفيذ الأوامر . وهذا العنوان أحدث أشكالية توحي الى تساؤل أكبر يبحث عن إجابة بحجم وجوده ، خاصة أن (موريس أنجرس) أعطى تعريف لمفهوم الأشكالية حين عرفها على أنها:(عرض هدف البحث في شكل سؤال يتضمن إمكانية التقصي بهدف إيجاد إجابة) . وهذه الأشكالية يمكن تحديدها بثلاثة أركان كانت محور نصوص (مهدي سهم الربيعي)الشعرية وهي(التمرد والذات والموت) .
تعتبر ظاهرة التمرد في الأدب عامة وفي الشعر خاصة من مظاهر الإبداع ، فالشاعر بتكوينه النفسي متمرد ، وهذا التمرد يأخذ أشكال متعددة سياسياً أو إجتماعياً أو فكرياً أو فلسفياً أو يتمرد على ذاته . وهاجس الكتابة عند الشاعر يكون عبر البحث والقلق والتمرد على واقع قائم يمكن تجاوزه في البحث عن واقع أجمل . 
فالتمرد كحالة نفسية صورة لإثبات الذات والخروج عن المألوف ، من خلال تحريض الذات على رفض الواقع وما يحيط به وعدم الانسجام معه . يقول الفيلسوف الوجودي البير كامى:(لكي يوجد الإنسان يجب أن يتمرد . لكن تمرده يجب أن يحترم الحد الذي يكتشفه هذا التمرد في داخله) . ولو أردنا أن نبحث في الواقع المعاش اليوم وما يعانيه الإنسان من حالة ضياع وقلق وصراع نفسي لتبين لنا أن كل إنسان هو متمرد ، لأن حالة التمرد مرتبطة أرتباط وثيق مع التفكير والأبداع ومن خلالهما يستطيع الإنسان أن يصل الى أثبات وجوده . وهو الذي يمكنه من تجديد ذاته وخلقها من جديد . ويمكن أن نعزز ذلك بمقولة الفيلسوف الفرنسي ديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود) . 
أما ما يخص الركن الأخر في الديوان فيقول عنه الأستاذ (محمد شنيشل الربيعي) في قراءته للديوان الشاعر وفي معرض حديثه عن الذات:( يبدو أن النص المعاصر يتفق مع طرح الشاعر مهدي سهم وهو ينطلق من فلسفة ذاته ، وحتى يتلاقى هاتان العنصران ــ النص والذات ــ الحيان في الطبيعة فلابد أن تكون هنالك معادلة حياتية تجمعهما ، ومعادل موضوعي يجمع الطرح الشعري ... والبحث عن تلك الذات لمعرفة وجودها وأسترجاعها) . أن معرفة الذات تشكل أشكالية وجودية يصعب تفكيكها بفعل التركيبة المعقدة والتي تجمع تناقضات مختلفة تمتد من العقلانية الى العاطفية محاطة بعدة عوامل نفسية وإجتماعية وفكرية قد تشكل هذه العوامل هاجس الانسان وتبعده عن ذاته . لأن مفهوم الذات (تكوين معرفي منظم ومتعلم للمدركات الشعورية) التي تتفاعل بشدة مع آلام الآخرين . 
أما الركن الثالث (الموت) وهو سِفر طويل غير متناهي ، ومجال للتأمل في النهاية، والأحزان، والفراق والذي يأتي ليخطف كل شيء . ويعتبر الشعراء والادباء هم أكثر أهتماماً لقضية الموت من الفلاسفة الذين أعتبروا الموت لايدخل في نطاق إمكانية المعرفة . إلا أن الفلسفة الوجودية هي أكثر الفلسفات التي تفردت أكثر من غيرها في فهم فلسفة الموت ، فهذا (كامى) حين يتحدث عن الموت يرى (أن الأبداع هو خير وسيلة لمجابهة الموت انه الموت الواعي والناضج) . ويؤكد هذا المعنى الشاعر السوري محمد الماغوط حين يقول:(إن الموت ليس هو الخسارة الكبرى ، الخسارة الأكبر هو ما يموت فينا ونحن أحياء) ، لقد تركت عند الشاعر (مهدي سهم الربيعي) ظروف أستشهاد ولده(مصطفى) ندوبا في نفسه لم تقوا أي صورة شعرية أن تصف ما يعنيه أو تمحو أثار ذلك أو تضمد جراحه ، ولكن رغم ذلك حفزت هذه الحادثة في الشاعر مشاعر الابداع في ما سطره من صور شعرية ترتقي الى مستوى ألامه . فهو (يشعرك بذاته و غاياته ... في أن ينقل لك أحساسه بكل قوة و عمق) كما يقول الدكتور أنور غني الموسوي . فلغته الشعرية تجسدت في صورها وتراكيبها اللغوية وبنيتها ومفرداتها ، فهو يراقب قاموسه بأستمرار، في البحث عن الجمال الإنساني في أشكاليته الثلاثية التمرد/ الذات / الموت . (مما يؤهل الشاعر ان يُخرج النص بحرفيته العلمية ، ويضرب على مسامع القاريء جرس اللفظ الخاطف والمؤثر في منظومة التأمل لإستخراج الدلالة) كما أشار الاستاذ محمد شنيشل الربيعي في قراءته للديوان .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق