أطرقت رأسي مثقل يحملني
يسوقني متردداً...
يمحاكني.. ينثرني مصباح قديم يشتتني تفاصيل مبهة فوق مكتبي القرمزي الداكن كالعتم.. بعض من حبر لماركة باركر.. ولم تزل تلك الدمغة الاسطوانية تحمل بعض من ما تبقى من حروف.. قلم قد فقد نبله.. وأخر
ينتظر أن يُثلم .. تقويم قد جاوزه البلى بعقود.. لم يبقى منه الا صورة لرأس الثور المجنح المستباح..! وتاريخ قديم يذكرني بالزمن الجميل.. أوراق هنا وهناك.. كتبٌ على رفوف قد حناها الدهر تميل اوراقها الى الاصفرار.. ولم يزل يتسيد غابريل ذلك الركن العتيد ولم تزل نداوة ماكوندو مدينة المآسي والحروب والويلات تفترش ذاكرة الخشب وذاكرتي.. اين انت يا أورليانو الصغير.. لتفك طلاسم مدينتي..لا فائدة ترجى غارسيا مات وذياك القابع بين الرفوف الشاعر الحالم غورغي يسنين يناجي اطيافا ساحرات ويصيخ السمع لرنين كوكب أزرق واشجار البتولا السامقات. يلتحف السرخس.. يحلم بالحب ويعاقر الموت في خمارات الماضي السحيق.. نم كثيرا ايها الشاعر القروي لم يتحقق حلمك ويسد رمق الجائعين ولو ببعض من اقراص الجودار .. لم يقتُلك الكُفاس.
آهٍ ايها المصباح.. رفيق الصبا والمشيب اعلمك انك سبب تساقط شعري..! وذهاب بصري..!
ولكني أحبك.. على الرغم من تسلطك وأفكاري فوق راسي.. وانا الج سابرا في خيلاء صولاتي الآفلات .. اراه ذلك الانف الطويل على الحائط حين يعكس ظلال وجهي هذا المصباح المشاغب.
لن استطيع لعنه لانه قد استباح اندماجي.. ولكنه محق لاعطائي فسحة صغيرة تجعلني ابتسم لذلك الانف الطويل المعكوس على الجدار.. والغريب انه يستفزني ولكني مجبر ان أجاريه.. لانه لم يضع لي ذلك الانف الذي تعودت على حمله..
كم تَحَمَلَ عنجهيتي في ليالٍ صاخبات بالجنون.. وكم دفئني وهجه الساخن الاصفر السقيم.. وكم تهاوت على لحيتي قطرات العرق في ايام القيض. مثلي انت عتيد عصي كل هذا الزمن ولم يهتز لك وهج ولم يُكسر لك وجه.. لا زلت عصي رفيق دربي المتهالك..
في النهارات لاكثر من مرة أوصدنا باب الشرفات
والريح تلاعب الاستار من وحشة الدروب وذلك القابع في الركن القديم قبالة بيتنا العتيق يجلس القرفصاء ويكاد ان ان يَعّوَج فكه وعيناه جاحضتان.. لم يمد يده. العطايا ثقال في الزمن الشحيح
يُقال.. انه شاعر كان يحلم بان يقفز على القمر..لعنوه لانه اجتاز الحدود.. كان صوته يجاهر كلما اشتد به المقت وتداعاه القتر..
أسمعه ينادي تبا لوطن العيش فيه للسفهاء والموت للشعراء.. ويبدو أن صوته خبى بعد أن أهلكته السنين.. مثل مصباحي الذي توارثه ابي عن جدي.. يقال انه سلبه من مكتب معسكر الجندرمة البريطاني في ذلك الوقت.. ويقال انه خرج في حملة عسكرية وانتظرته جدة ابي سنين ولم يعود..
ترك لنا ارث ثقيل وامانة من نور..مصباح مكتبي العتيد الذي لايأبى الافول..وإن أنا... رَحْلتْ.
ماكاندو/ اسم مدينة
أورليانو / أحد شخوص رواية غابريل
الجودار/ نوع من أنواع الخبز القروي
الروسي
الكفاس / شراب محلي روسي
البتولا / أشجار غابات سامقات

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق