الأحد، 7 أغسطس 2016

البحث عن الحقيقة في مجموعة ( من أجل ذلك ) قراءة لديوان (من أجل ذلك) للشاعر عبد الجبار الفياض) بقلم الشاعر والكاتب العراقي ....مهند صلاح


القراءة هي أداة المعرفة للوصول الى الحقيقة , و الولوج لخبايا النصوص التي تم توضيفها كي تمنح للحياة لغة الإصرار على ممارسة أدوار الدراية , و الكشف عن المسارات الأفقية و العمودية لجسد الكتابة , لذلك أما يكون نتاج القراءة مستحقا لأدوات البحث , أو يبتعد ليصبح مجرد إنصهارات لغواية الفراغ .. ( من أجل ذلك ) هي المجموعة الحادية عشرة للناص ( عبد الجبار الفياض ) و الصادرة عن المتن للطباعة و النشر . فبمجرد البدأ بعملية القراءة و التحول الى التلقي . تبدأ أدوات التفكيك تعمل داخل المخيلة لتنتج أسئلة بحجم ثمار الرغبة للإستمرار في النحت عند مواطن الإبداع و الرسائل المثخنة بالشعر .. عبد الجبار الفياض الذي أصبح مقتنعا بأن المفردات الشعرية التقليدية لم تعد قادرة على التعبير عن المشاعر الداخلية العميقة و غير المحدودة التي تنشغل بها البلاد بشكل كبير . لقد بدأ يشكك بشكل كامل في البلاغة اللغوية مهما كان نوعها . كان مجرد عملية إحتواء مثل تلك المشاعر يعني له الاإساءة لها , و الأكثر من ذلك إنه عد تلك المحاولة نفسها ( خداعا و تظليلا ) .. ففي نص ( من أجل ذلك ) يقول الفياض :
متى أكتب قصيدتي من غير ألم 
من غير طيف خنساء ؟
لا تريد أن تغادر 
برؤوس 
يهزها إلتواء حروف ..
_ و في نص ( ثوب سومري ) :
يافطة باهتة من غير ظل
ملتصقون بأرض ليست للبيع 
ما بكت للشتاء غيوم 
ظمأ
تعلم من نوح النبي حروف الماء .
نهر مشغول بصلاة الإستسقاء ..
في هذه النصوص تصريح بأن التعبير الشعري ليس مسألة تعريف و تحديد , بل هو كشف و إظهار يتم عن طريق الإيحاء و التخمين . إنه يعيد صياغة النصوص بإسلوب بليغ و يحولها الى نصوص مفككة . يمكن القول إنه كلما خلت القصيدة من تلك الكلمات الموضحة للأفعال و أحلت محلها كلمات لا توضح ما يدعى ب ( حالة العقل ) بل مساعي العقل نحو الجمال . و الحقيقة إقتربت هذه القصيدة من الشكل الأسمى لهذا الجمال ..
_ ففي نص ( إحتراق ) :
دخان 
يرسم يرسم خرائط موت 
رائحة مسوخ 
عبرت سور يأجوج و مأجوج 
متاريس كل العصور .
لم أحترق أنا كما إشتهيت 
إنما وجدت وطنا يحترق ..
_ و نص ( الأقزام يشنقون العمالقة ) :
ليس لأحدهم إلا أن يكون نايا
يجمع أحزان الخريف رثاء
يذوب بأقداح شاي ساخن
خطبا معقودة اللسان ..
ترتبط هذه النصوص إرتباطا وثيقا بما كتبه الشاعر , حيث يسير هذا الحوار الثانوي غير المنطوق , و الذي يعده الأخير حوارا حقيقيا من خلال ( الوقفات و الإشارات ) و بطرق غير مباشرة . و مع ذلك فإنه ينبع أساسا من الكلمات المنطوقة نفسها .. ان التشخيص الذي لا تستطيع القراءة الواعية الحديث عنه أو عن تجاربه و سلوكه و طموحاته , هو التشخيص المنطقي و الحقيقي و الجدير بالتأمل .. ان هذا الفن الخاص بالكتابة يعد ( هادئا و مكبوتا ) الا انه مكثف و حاد تم تكريسه بطريقة متقنة لإستكشاف المعاني القابعة بالصمت و الظلام ..
_ أما في نص ( فلاح سومري ) :
رافدان
شقهما جناح حب 
تموت بموتهما الشمس 
و يختفي بين منازله القمر 
أيما
هل هو الآتي من داخله
يزف الخصب لعذراء التراب ..
_ و نص ( نصب الحرية ) :
لا تلوين 
السبورة 
في حداد دائم .
رسولها
ينحت قامته لمدينة لا تعرفه 
إرسموا حدود أنفسكم 
و هي تعبر غبارا فينا 
أورثتموه ..
انني أتصور رجلا عجوزا كعبد الجبار الفياض . يجلس على الكرسي , ينتظر , يصغي دون أن يتأثر بالقوانين الأزلية التي تسود بيته , يتجاوب بالحدس و صمت الأبواب و الشبابيك , و الصوت المكبوت للضوء . يحني رأسه قليلا و هو يجهل حقيقة ان كل القوى الدنيوية التي تدخل و تستطلع غرفته مثل كل الخدم اليقظين .. إنني مقتنع بأن هذا الرجل يعيش حقا حياة أكثر عمقا و شمولا و انسانية من ذلك العاشق الذي يخنق عشيقته .. إن عين قلبه الثاقبة تنظر الى سطح الاشياء و تجد فيها مجموعة من العلامات و الرموز و المؤشرات , و قد ظلت دقة الملاحظة و التسجيل الحساس للأشياء قضايا مهمة لهذا النوع من الكتابة , و ظلت أيضا خاصية التوثيق الدقيق و الرؤية العلمية للأشياء مستمرة لدى الكاتب . و الفرق بين القدم و الحداثة عنده يقتصر حول ان الاخيرة اخذت تقترب من الذات و تتطابق معها , و أصبح واجبا ان تتناغم مشاعر الكاتب و المتلقي و المفردات التفصيلية الخادعة للحياة , و أصبح هذا الكاتب يتحسس تحسسا صوفيا العلاقات الداخلية بين الاشياء و يعرف جيدا ذلك الفيض من الترابط بينها ..
_ في نص ( المتهم رقم لا ) :
نهايات ملك منخور
ساعات هول
طرقا
ينزع ثيابه في غرف حمراء 
لينسج العنكبوت خوفها مسموعا
لصوت ثمل
السوط أساس الملك ..
_ و نص ( سومري ) :
خرق الكون 
بإصبع تلون بحناء الأنبياء
على الطين 
تدحرج
قيثارة
قصيدة
ترتيلة بردي
مزمار قصب
إشترى فم الدهر
جوريا
لم يبع لونه لأحد ..
في هذين النصين و نصوص المجموعة ( الثلاثين ) إمتاز الفياض بإسلوب مميز , و ان هذا الانجاز يكمن في مهارته التي استطاع عن طريقها خلق الأجواء و الأمزجة التصويرية و قدمها على طاولة القارئ , و ليس شكل النصوص و بناؤها هو ما يعطيها ميزتها الخاصة بها , و انما هي المزاوجة و التنسيق بين أجزائها , حيث تأتي الأجزاء و الأمزجة لتخدم بناء النص و تزوده بطاقة قادرة على توحيد العناصر الأساسية في الكتابة مثل ( الكلمات و الصمت و الحركة ) و درجة الحركة و النشاط و الاثارة و كل المكونات غير المنطوقة التي تسهم اسهاما رائعا في عملية الخلق داخل النصوص ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق