مشروع التحليل
النفسي
مفاهيم أساسية
تأليف..الأستاذ
جنبلاط الغرابي
لسنـــــــــــة
2016
مشروع التحليل النفسي ..مفاهيم أساسية
الطبعة الاولى للكاتب
لسنــــــــــة 2016
القياس 14سم* 20سم
تنفيذ الانجاز
طباعة وتصميم (المتن)
العراق_______بغداد
هاتف_07707079190
هاتف_07904249162
جميع الحقوق محفوظة بأسم الشاعر
لايحق لأي جهة أو أي شخص بطبعها
أو التلاعب بها، وهي مسجلة بالدار الوطنية
لحفظ الوثائق والمطبوعات، العراق...بغداد
رقم الايداع بدارالكتب والوثائق ببغداد لحفظ الكتب رقم(1155 ) لسنة
2016
المحتويات
الفصل الأول - تقديم لمسألة الذهانات
الفصل الثاني - الكبت الفيزيائي واللاشعور الخيالي
الفصل الثالث - صور الخيالي وآثارها في البنية السيكولوجية
الفصل الرابع - واقعي
الذات الماضي والوهم
الفصل الخامس - الذكورة
والأنوثة
الفصل السادس - ما
وراء الفن ملحمة جلجامش
تمهيد
ليس من قبيل الصدفة أو غير المتوقع ضمن القضايا المطروحة
للبحث في هذا الكتاب أن نواجه صعوبات تضع أمامنا حدود معينة، أو تأنيات بعيدة المدى
كي نتوصل لنتائج مقبولة بخصوص ما نسعى إليه. فهذا الكتاب يحاول أن يجد حدا أعلى أن
لم نقل استيفاء الشروط لكسب معارف تخص المجال النفسي الإنساني.
وبطبيعة
الحال، وكما نعلم، فإن المجال نفسه خاضع للبعد الغامض والملتبس، الأمر الذي يفرض علينا
المزيد من القراءة والتحليل. وهذا الشأن بالنسبة لنا لا يعد موضع الصعوبة، ذلك ليس
من باب القدرة المتحققة أو الاستكشاف المنتهية مهمته في اظهار ما يقع خلف الغموض. حيث
إن إزاحة الغموض تشكل أساس كل بحث، ولولا الطبيعة التي يتسم بها المجال النفسي المتواصلة
مع الغموض، لما قدم لنا ذلك لنا شيئا من الأهمية. من هنا وجدنا أن الصعوبة التي نواجهها
تكمن في جانب آخر، نفضل تسميته، انقطاعا معرفيا ما بعد فرويد. فما توصل إليه التحليل النفسي من اكتشافات، وتطوير
للنظريات، يمكن اعتباره المحطة الأولى لبناء علم التحليل، ويمكن وضعه كخارطة استدلالية
توضح مدى قيمة وسيادة الخطاب التحليلي آنذاك.
إن هذا
القول لا نريد من خلاله الإيحاء إلى التقليل
من تلك النظريات التي مهدت لنا الكتابة والبحث في المجال النفسي، على العكس تماما،
فتجاوز فرويد في أية قراءة تحليلية أصبح غير ممكن، وقيمة ما توصل إليه تفوق معطيات
زمانه بكثير، وهذا ما مكنه من أن يكون متربعا على عرش التحليل النفسي إلى الآن. ولكن الانقطاع المشار إليه جعل الرؤى التي وصلتنا
تتكرر في دائرة مفرغة، ما أدى بها في نهاية المطاف أن تكون محكومة بانعدام تفعيل المباني
التي تُستثمر لاستنتاج مفاهيم نفسية ذات قيمة، وأيضا أدى هذا الانقطاع، من جهة أخرى
إلى انتفاء عجلة الابتكار والتجديد. وفي هذا الجانب أجد اللوم يقع على المثقف العربي
بنحو خاص، كونه مثقفا يشعر بالخوف وعدم الجرأة، ولا يمتلك الاستعداد في أعم ما يقدمه
سوى اللجوء للمخاطبة الشعرية أو التجارب النقدية والثقافية التي تعنى بمسائل الادب
بنحو عام.
وهكذا
فقد نجد لهذا الشيء مجموعة من التبعات، ومن ضمنها، عدم الاهتمام بترجمة الكتب التي
خول أصحابها لأنفسهم اجتياح أبعاد علمية تفيض على الاطروحات السابقة بقضايا فكرية جديدة،
أو تقديم كتب نقدية تتناول الأبعاد الجديدة من جهة استنباط أو تطوير الأفكار. إن هذا
الموقف الذي نعتبره مأخذا جادا، قد توقفت بسببه
المعارف المستحدثة على عتبات التقدم نحونا.
ولهذا
يرى بعض الباحثين ما من مهرب للاتجاه إلى الشراح الذين طالما حذرت من الوقوع في اشكالاتهم
المعرفية، والنابعة من عقدة تبرز أثناء كتابة الشرح وتحويل الفكرة نحو التعاطي. فما
يطيب لنا تسميته بسلم النزول، أي تحويل الفكرة من الغموض نحو المتداول السهل، أمر يخلق
صعوبة كبيرة تواجه الشارح، كونها تفترض سلفا نفي حضوره. إن هذا المنحى الديالكتيكي
الذي يضع الشارح نفسه في بوتقته، يقصيه من التواجد على مسرح الأداء الذي يضمن له حقا
للسيطرة بالقوة البعيدة.
لذا
يرفض الشارح هكذا تمثيل كونه يسلب قيمته الوجودية، أي حضوره الذي ينبغي ظهوره على المستوى
المحدد ضمن نشاطه النفسي، وهذا الرفض ينتهي بقيام دور يحاول إبعاد النفي واستبداله
بالحضور، الحضور القائم لا على أساس تبسيط الأفكار وتقديمها للقارئ وإنما على تعقيدها
أكثر. ذلك لأن الشارح قد تخلى عن وجوده الحقيقي كمنظر للفكر واستبدل ذلك بوساطة ، إلا
أن هذه الوساطة لا يمكن إثراء قيمتها إذا كانت غير ملاحظة من قبل القارئ، عند ذلك يبرز
التعقيد المتعمد كإحالة نحو فكر آخر، إنه فكر
الشارح المنتفي بالأصل.اما بخصوص هذه الحالة فلا نعدها تابعة لفئة أو قومية محددة أو
نوع معين من المثقفين، بل إنها قضية تداخل قوى نفسية يصعب عليها البقاء بين محورين
يتناقضان طبقا لقوانين نفسية فاعلة منذ القدم،
وهذه
القوانين البعيدة في تأسيسها والعفوية في استخلاصها لا تختلف عن التصورات العرفية التي
تتعامل مع المهنة بنسب مختلفة من القيمة، كاحتقار مهنة معينة واحترام أخرى.
فالقيمة
التي يشكلها الحضور في الواقع، تتناسب مع ندرة وفائدة ما يُقدم من عطاء، ولكن هذا العطاء
يأخذ موقعه دائما من محور التنافر مع قلة الفائدة وانعدام الندرة. وبناء على ذلك، يفتقر
العمل الذي سخر الشارح نفسه للقيام به إلى ندرة وقيمة توضع في المقارنة التي تسلب حضور
طرف على حساب الآخر.
ويمكن
تصوير هذه المقارنة كالتالي، من هو صاحب المهمة التي تحسب لها الفائدة والندرة، أي
القيمة، هل المؤلف صاحب الفكرة أم شارحها؟.
إن هذا
التساؤل يُفعل من قبل طرف ثالث يقع وسيطا بين المؤلف والشارح، إنه القارئ، والذي سيقع
في اشكالات الفهم طبقا لوجوده حائلا لنيل الشارح مكانة يتساوى بها مع المفكر. من هنا
على القارئ أن يفهم الرسائل المستبطنة في مضامين الشرح والتي تقول بلسان الشارح (بأنني
هنا)، وكي تصل الرسالة بالنحو الذي يرتضيه الشارح لنفسه فلابد من اضافة، وهذه الأخيرة
لا يمكن سريانها على أساس إضفاء مفاهيم جديدة لأنه يعتبر تجاوزا لحدود العمل
وتعديا
على منجز الغير.
لذا
لابد من ممارستها على شكل تعقيد، ذلك الذي يجعل القارئ يصطدم بالشارح وكأنه يقول، لا
تستطيع أن تصل إذا اردت تجاوزي، عليك المرور عبر قناتي أولا، وأن تعطي لها الحق في
أن تتواجد, في اللحظة التي تبحث بها أنت عن تواجد الغير بواسطتي دون الاعتراف بي
.
إذن يتعلق الأمر بقضية الاعتراف، ذلك الاعتراف الذي
يخوض الإنسان ميادين عديدة لأجل الوصول اليه، حتى وإن كان على حساب حياته، وفقا لما
ترسمه معالم القيمة الوجودية. فالحضور لا يستقي أي معنى لقيمته إلا من خلال اللاحضور،
والعكس يصح أيضا.
كالشخص
الذي يفضل الانتحار ليس لأجل التخلص من ألمه وإنما لمعاقبة من أنكر قيمة حضوره.
إننا
نفرق بين معنى الوجود والحضور، فالأول نأخذه
بالمعنى الحرفي للكلمة أو كما يعبر عنه الفلاسفة، قوة الفعل الحضوري، اما الحضور فهو
اشتقاق من الوجود بنحو تُرسم فيه مواضع التأثير داخل الآخر، وهذا التأثير هو السيطرة
بالقوة البعيدة.
إن هذه
المسائل سواء كانت تمثل لنا إشكالات أم عقبات ،قد سلكت بالمعرفة نحو جانب آخر، جانب لا يمكن التعويل
عليه
لافتقاره المنحى الجاد، ومن ثم جعلت هذا المنحى بديلا عن المعرفة ذاتها، إنه ارتكاز
يدور حول العمل المطروح مسبقا لتداوله من جديد.
كما
يحدث لك عندما ترى حلما وترويه كل يوم لشخص. من هنا اصبح تناول المعرفة بعيدا عن الاستنطاق، لذا نراه قابعا في أسلوب قصصي مثقلا ومقيدا بمنهجية
ممارسة. هذا الذي جعل من مبدأ أنا افهم مساو لأنا أتفهم, بينما حقيقة الأمر خلاف ذلك.
فالتفهم لا يشابه الفهم، كونه بحث وتقديم ما هو متناسب مع تفعيل المعرفة، والأخذ بها باتجاه مختلف. إن هذا الاتجاه الذي نشير اليه لا
يكتفي بالمعنى الكلاسيكي وهو التطور أو ما شابه ذلك، بل يريد البحث عن مواطئ للقدم، يمكن بواسطتها التخلص من تراكمات مسلوبة الإرادة
في إيجاد حلول لما هو غير قابل للحل، أو ما هو غير قابل للفهم. ولا أجد ضيرا في العودة
إلى البدء فيما لو استلزم الأمر.
ورغم
أن التفهم لا يخلو من الوقوع في الأخطاء والسطحية الناشئة عن اختلال في استخدام أدوات
التقصي إلا أن سوء الفهم ينتج دائما ملاحظات
قيمة تندرج فيها إعادة النظر في ربط العلاقات،
تلك العلاقات التي فوضنا لأنفسنا البحث عما يدفعها لتشكيل ظاهرة معينة أو حقيقة ما.
لقد وصف لاكان هذه الحالة مستنكرا الجمود المعرفي الذي يبقى
مراوحا
في مكانه، وربط ذلك بالخلل الذي يُبنى على أساس غياب الوعي لإدراك الفرق بين الفهم
والتفهم أو عدم ملاحظتهما، من هنا يقول – السيمينار الثاني- ترجمة عبدالهادي الفقير_(
وهكذا فإن الحديث عن حمق معقلن ، وعن الاحتفاظ بالوضوح والنظام والإرادة بخصوص الهذاء العظامي،
يرجع إلى كوننا نقبع في مستوى الفهم ولا نتعداه ، مهما بلغت درجة تعمقنا للمسألة.
وإن
كنا قد اعتبرنا أن ما فهمناه ، قد بقي من غير
الممكن للمريض التلفظ به أو تسميته أو إيلاجه في تركيبة تساعد على توضحه، يكون
مع ذلك موقفنا قد تم تحديده قبليا على مستوى الفهم. ذلك أن الأمر يتعلق بأشياء قد تبدو
وكأنها مفهومة في حد ذاتها.
وهذا
ما يجعلنا نحس بأننا على عتبة الفهم وأنه لا محالة في متناولنا. انطلاقا من هنا ينشأ
الوهم التالي: بما أن الأمر يتعلق بالفهم فإننا نعمل على التفهم.
إلا
أن الأمر في الحقيقة هو عكس ذلك) يحدد لاكان
في هذه الكلمات ضرورة الالتفات ضمن هذا التحديد إلى قضية النتائج التي تترتب فيما لو وقع التحليل النفسي في خلل معرفي
للفصل ما بين الفهم والتفهم.
فعدم
تمييز الفارق ومدى تأثيره في تكوين رؤية ناضجة أو
دلالات
ذات قيمة تكون نتائجه مخيبة، فالفهم بحسب لاكان لايصلح أن يكون موضعا للانطلاق، لأنه
يفترض معرفة أولية مسبقة، وهذه الأخيرة تفرض معرفة أخرى تقدمها على شكل استنتاج، الأمر
الذي قد يجعل من هذا الاستنتاج خطأ ضروريا كونه أنبثق عن مباني خاطئة بالأصل.
تتخلل
عبارات لاكان إشارة لا تقتصر على محور التعمق في البحوث وإنما على التآني في اطلاق
الحكم.
مع ذلك
لا أجد ثمة امل لبحث قبول او رفض اطروحاته في جملة ما يذهب اليه، بسبب قلة المعطيات
التي بحوزتنا من قبله ( 1) .
فالتفهم
إن أردنا دعمه بمعايير دقيقة للوصول إلى صلة مقربة من الحقيقة إذا جاز التعبير فلا
بد من بحث تفهم العلاقات بين روابط القضية
ضمن زوايا متفرعة ومتقابلة، وكأنك تقول ما هذا الشيء بالنسبة لذلك، وما قيمته وما هو
مدى تأثيره، وكيف تمكنت الصلة في أن تكون في
محل وسائط ، وماهي الصلة إن قمنا بانتزاعها من هذه المحاور، وكيف ستبدو المحاور بدونها؟،
وفي الحقيقة إنها أسئلة لا تنتهي، ولا أستبعد
حظيها بالفهم الكافي لدى لاكان، لذلك نراه
يؤكد على ضرورة الاعتقاد اثناء البحث على غياب مركزية الفهم. من هنا علينا بحث القضايا وظروف نشأتها
وما
يرتبط بها من أعراض داخل هذا الإطار، وضمن المواكبة أيضا، وقد نلجأ لما يستوجب العودة
إلى طريق البدء كي نلاحظ على الأقل ما تم اغفاله من قبلنا سواء على مستوى الوجود أم
التأثير.
وأرى
أن التمييز بين التفهم والفهم له خصوصية كبرى في أن نحظى بدلائل تمكننا في فهم ما سنعتقد
به. وقريبا من هذا المسلك فإن التفهم يجعل طريق التصحيح دائما نصب أعيينا، هذا الذي
سيوفر لنا عدم الدخول في مسارات استدلالية خاطئة.
ومن
جهة أخرى لا أجد حرجا في السقوط في أخطاء إن كان التفهم لدينا وعلى مقربة منا، على
العكس تماما، فالخطأ هنا يمنح الصحة دقة كافية في أن تضع مكانتها في التركيب أو البناء
الاستقصائي للقضايا، كذلك تضمن لنا هذه الحيازة، اي حيازة الخطأ التقريب أكثر بين المفاهيم
الحسية والتجريبية والميتافيزيقية، وعلى النحو الذي يمكننا من تنشئة منهجية على أرض
لا يهم إن كانت وعرة ام سالكة.
(1)
(بالنسبة إلى الفيلسوف والمحلل النفسي لاكان فلا تتوفر لدينا كتب مترجمة تخص جانب تخصصه التحليلي، وما هو معروف عنه قليل
قبالة ما قام بتأليفه، لهذا سيكون بحثنا وبناء مواقفنا حول ما تقدم به منعقد الصلة
بالكم الذي لدينا من تأليفات والتي لا تتجاوز حدود السيمينارات السبعة
عشر
المترجمة من قبل الدكتور عبد الهادي الفقير والمنشورة على موقع الفكر ) ومن البديهي جدا أن نقع في دوامات من اللا انتظام
والانغلاق شبه التام أمام مشروعنا في البحث، ولا أعتقد أن شيئا غير ذلك سيدفعنا أكثر
أو يمنحنا بعض المشاعر الودودة تجاه أنشطتنا النفسية، كوننا نثق بصورة أو بأخرى بأن
هذا الشيء لا يدعو إلى نفاد الصبر. فطبيعة الإنسان حافلة بالمتاهات والأبواب الموصدة،
وهذا هو سر بقائها بالنحو الذي نراه الآن. وأن كان اللاشعور مجالا مقرفا عند البعض
وفقا لما يحمله من دوافع غير ملموسة أو شيطانية، فأننا نعتقد بأن ما يميز الإنسانية
في رقيها وسموها هو هذا الشيء الذي تخلى فيه الإنسان عن أية رغبة حيوانية.
ويمكننا
من خلال ذلك أن نلمس المعنى الدقيق الذي يطلقه البعض على شخص في حال شروعه بقتل أو
إيذاء الآخرين، إنها الصورة الحيوانية بكل
تفاصيلها النشؤية، لأن التخلي عن الإنسانية يكمن في استرجاع الرغبات الحيوانية القابعة
في اللاشعور. وهذا القول لانرمي من خلاله إلى
تبعية الإنسان للاشعوره، أو انغماسه فيه منذ البدء كما يعتقد كارل يونج، بل لأننا نرى
اللاشعور صورة تتكون بطريقة غير مطابقة للمعنى الأصل أو منحرفة عنه، وذلك بسبب الجدار
الذي اصطدمت به الإرادة منذ البدء.
ذلك
يعني أن الارادة تتحور في ذاتها وتنقلب نحو أشكال أخرى قد تكون متناقضة بالأصل.
إن الإرادة
بنظرنا ليست قضية موحدة على نحو عفوي جنسي كما يرى فرويد، وليست هدفا غامضا يسير للكمال ثم آلت به الصعوبات
أن يصطحب معه شيئا ليكمل بدلا عنه، هذا المعنى الذي لا يوجد له فهما في ذاته فقام بإنشاء
رغبة بديلة عنه تسعى وتتكرر خداعا وليس حقيقة.
إننا
هنا لا نفضل الحديث عن الإرادة بعنوان يلتقي مع تجربة سالكة في متاهات المكتسب الوراثي، أو بعنوان يختزل
رغبة بناء على طبيعة افتراضية مسبقة، فهذا النوع من التأسيس، يبقينا دائما على صلة
الانقطاع الذي لطالما خلق تأزما معرفيا جراء وجوده.
من هنا
أخذنا على عاتقنا أن لا نقف ببساطة عند حدود
نقطة معينة مهما بلغت درجة الغموض التي تكتنفها،
ومهما بلغت من المستوى الذي يعيق تقدمنا وفقا لمعطيات حتى وإن كانت قليلة.
شكر
وتقدير للبروفيسور عبد الهادي الفقير الذي أتاح لنا عبر ترجمته معرفة جملة من كتابات
جاك لاكان. .
((تقديم
لمسألة الذهانات ))
تتميز
المفاهيم العامة التي يتداولها الأفراد في تجاربهم الاجتماعية بعدم الاتفاق وعدم الرضوخ لأبعاد دلالية يمكنها
من تحديد شيء بحصر المعنى. ويبدو أن الإشكال يتعلق بالأخير، فحصر معاني الأشياء وتصويبها
نحو عناوين منفردة ومعينة لا يمكن حدوثه ببساطة إن لم نقل في الأمر استحالة، ذلك أن
المعنى دائما ينطوي على معان مستبطنة ومتكيفة مع مواطن فكرية متباعدة، أو تجربة حسية
مجردة من منهجية علمية. وبما أن الفرد يقع دائما في فخاخ هذه المصيدة-التجريد من المعرفة-، بمعنى عدم وجود البرهنة والبحث عن دليل، فهو دائما يظهر الأشياء
ويتعامل معها وفقا لما يراه مناسبا.
هذا
يعني أن التناسب بحد ذاته يجعل القضايا في
موضع خال من التساؤل، أضف إلى ذلك القابلية التي يتمتع بها الإنسان في اعتماد الأفكار والاستجابة لها وفقا لما تسلكه الأعراف الاجتماعية.
من هنا
تأخذ الأفكار مواطنها وتدرك على أنها عقيدة غير مضللة، وناشئة من ذات الطبيعة البشرية،
مما يجعل عزلها أو رفعها إلى التشكيك انقلابا ضد موازين الاستقرار الماورائية داخل
الكيان النفسي.
إن حصر
المعنى للأشياء وتقييدها على النحو الذي تقدم فيه دلالة خاصة، ينطلق من القيمة المعتبرة،
وهذه نقطة يجب الالتفات إليها بدقة، فالدوال والمدلولات كلها تخضع لمبدأ القيمة الذي
بدوره يحدد تلازمها بنحو وبنسبة معينة لتغطي اجواء المعنى المفترض.
ولكي
يلتفت المتابع إلى ما نقصده نطرح المثال التالي. عندما تقول كلمة شجرة، فإن هذه الكلمة
تأخذ مجالات ومفترقات وتستدعي أشياء عديدة
حتى تتوقف، كلما قلت قيمة الشيء المرتبط بها وفقا لتجربتك الشخصية، فالمعنى هنا يبقى
يقظا لما يليه وبحسب قيمته بالنسبة اليك، فكلمة شجرة تمثل أو تعني لك موقفا جميلا في
طفولتك، والطفولة تأخذك إلى اصدقائك وأهلك، وهكذا بالنسبة لبقية المواقف والأشياء،
حتى الوصول إلى مرحلة انقطاع التذكر أما لطارئ أو لاختفاء الأشياء ذات القيمة والمنعقدة
سلفا فيما بينها.
إن هذه
الطريقة هي ذاتها التي تجعل الكلام الذي نقوله يوميا لا يتلاشى ويفقد دلالته ومؤداه.
ففي حوارتنا اليومية نستخدم الكلمات والآخر-نعني المقابل- يستقبلها ويضعها في المعنى الملازم طبقا لمبدأ القيمة الذي بدوره
يحدد نوع المعنى ودلالته، إلا أن هناك فرقا بين الكلام وضبطه تجاه معنى محدد ضمن قواعد
اللغة العامة، أو تداعي ذهني يقع عندما تبدأ ذاكرتك بالتحرك تجاه شيء ما، وهذا الأخير
هو
موضع
بحثنا كونه يرتبط بجانب نفسي عفوي، أما الأول فارتباطه بفقه اللغة وهذا خارج اهتمامنا.
ومع
ذلك يبقى حصر معاني الأشياء بالنسبة للإنسان وعلى نحو تجربته الشخصية أمر لا يمكن حدوثه
بنحو الاصطفاء المحدد، وسبب ذلك دخول المعاني في دائرة التعاطي المختلفة وحسب طبيعة
التجربة الشخصية أو العرف، وهذا ما يجعل المحلل النفسي يبتعد عن الدقة في تأويل كلمات
المعصوب أو الذهاني كونها في الغالب تجسد قيما ومعان خاصة ومتفردة.
لذا
يقع المحلل في خطأ فادح عندما يستعين بدلالة الكلمة بالنسبة لما تعنيه في العرف الشائع
أو التجربة الشخصية التي خاضها أو من خلال تجربة مع مريض سابق. ذلك أن الكلمة دائما
تختلف من حيث دلالتها المعنوية والعرفية وقيمتها عند الفرد، خصوصا بالنسبة للذهاني
-في وضع الاضطراب اللغوي- الذي تنزلق الكلمات
في حديثه عن أي معنى يمكن الوقوف عليه، ومن ثم القول أن المعنى يتوقف ها هنا. وبرأيي
أن الفارق بين لغة العصابي والذهاني يتموضع في هذا الجانب، فالمعصوب دائما تكون كلماته والعلامات التي يستخدمها في تحركاته
قريبة من العلة التي تجوب أروقة عالمه النفسي، بمعنى أن التضليل بالنسبة للعصابي ترافقه
صعوبة في الابتعاد عن المنطلق الذي أدى
به إلى
العصاب، بينما الذهاني ينطلق بحرية تامة ويندفع بأكبر قدرة ممكنة عن مواقع توليد المرض.
هذا
ما يجعلنا نرى عدم الترابط والانسجام بين الكلمات المتداولة في عالمه، أضف إلى ذلك
المدى البعيد من تحرير المعاني بنحو يلزم منه فقدان مبدأ القيمة الظاهري للكلمة والذي
يظهر بأن لغة الذهاني وكأنها تريد اعادة صياغة لمفاهيم دلالية جديدة، هذه المفاهيم
يتخللها دائما انتقاص من وحدة الانسجام بين الكلمات وبين المسعى التي تنوي الوصول إليه.
ولأن كلام الذهاني لا يخلو من جمل منسجمة بعض الشيء إلا أن هذا الانسجام لا ينطلق من
تحديد معنى لكلامه بصورة حرفية وإنما ينبع من سياق جرت العادة على استخدامه في مرحلة
ما قبل الذهان. وهذا السياق هو ذاته الذي نستخدمه نحن في حياتنا اليومية.
فعندما
نذهب إلى اعمالنا ونستخدم لغتنا مع الآخرين فلسنا بحاجة أن نصيغ في كل يوم مفاهيم وكلمات
وإشارات جديدة لتدلنا على نوع عملنا وطريقة كلامنا واستخدامنا للغة وما ينخرط تحتها
من أمور. إن هذه الأشياء سبق وأن سجلت وثبتت في الذاكرة، وما يلزمنا فقط عمله هو تكرار
وإعادة توليد إذا لزم الأمر وفقا للسياق الذي اعتدنا على الانطلاق منه، فهل من الممكن أن يقوم أحدهم بتعلم لغة بلده
كونه يفقدها في كل يوم؟.
لقد
حدثت أمامي تجربة أجد من المفيد جدا تقديمها لضمان فهم ما نرمي إليه، إنها تجربة ليست
فردية وكما أنها ليست من الأمور المستعصية الوقوع مع الغير، لذا من الممكن الاتيان
بها والنظر إليها بدقة في واقعنا الحياتي.
فما
زلت اتذكر وأصدقائي ممن كانوا معي اثناء رحلتنا إلى الدنمارك، حيث وقع بعضهم في اشكالات
أثناء تعلم اللغة الدنماركية، وهذه الاشكالات لم تكن نابعة من صعوبة تلك اللغة فقط،
بل بسبب الاضطرار لتعلم لغات كثيرة بحكم التنقل الكثير بين الدول، لذا كان أغلبنا يتكلم
الفارسية والأنكليزية والأندونيسية، هذا ما جعلنا نشعر بثقل شديد اثناء حواراتنا. إن
الشيء الذي سبب وأثار مشاكل لغوية بين اصدقائي عند دخولنا حصة اللغة الدنماركية هو
وجود معنا ممن هم من الأنكليز والفرس والتايلنديين وبعض الدول الآسيوية، وما كان يجري
معهم من حوار يثير الضحك لدى الجميع، وسبب ذلك، أن البعض من اصدقائي إذا تكلم مع شخص
من اليابان باللغة الدنماركية وتوجه إلى المعلم ففجأة يكلمه باللغة الأندونيسية بينما
المعلم شخص دنماركي. وعندما يتكلم مع الشخص الفارسي فإنه ينسى لغته ويخلط بينها وبين
الأنكليزية، وقد حدث أكثر من مرة عندما كلم
أحدنا المعلم بلهجة عراقية وكأنها لغة المقابل.
لقد
استمرت هذه الحالة لعدة أيام بل شهور عند البعض حتى استطاعوا ان يجيدوا إلى حد ما السياق
اللغوي وانسجام الكلمات بين اللغة الواحدة.
بل إن
هذا الأمر اكتسب محاولة أكثر جدية من قبلهم لتعلم اللغة الدنماركية وتداولها بدل اللغات
التي كنا نستعملها بما في ذلك الإنكليزية العديمة النكهة.
ويبدو
أن هذه التجربة التي استقدمناها بغية تحديد ما نريد قوله تثير تساؤلات فيما إذا كان
الذهان وفي مرحلة اضطراب اللغة يجسد ذات المشكلة
التي تعرض إليها زملائي وهي بقاء المعنى مع سوء اختيار الكلمة داخل اللغة الواحدة(غياب
الدال المنظم للكلمات) .
وإن
كان تصورنا صحيحا مع تعرض الذهاني لأزمة مزمنة، نتساءل إن كان الذهاني يتعرض لمشكلة
التكيف أو أعداد الكلمات، أي غياب المعاني بالنسبة اليه، مما يفرض التعرض لضياع الدال
الذي يؤدي إلى إعطاء الترتيب قياسا منطقيا ليجمع بذلك الكلمات نحوه، وهذا يعني أن اختيارك
للكلمات يكون عشوائيا دون اخذ اعتبار الظرف والزمن وما يتوجب القول(انفصال الدال عن
الواقع وتعرضه لتقلبات داخل الوجدان). فالقضية إذن تتعلق باستدعاء نمط معين من الكلام
يتوجب لفظه ولكن القاعدة التي تستثمر للاتيان به تتعرض للتشتت. ذلك ووفقا، لما نقوله، أن الكلمات
لم
تمح
من الوجود بل الجانب الذي يقدم الصياغة النوعية والخاصة للكلمات. من هنا نجد أنفسنا
ملزمين بطرح جملة من الاحتمالات بخصوص اضطراب لغة الذهاني كي لا تتكون لدينا أفكار
محكومة بالتسرع في هذا الشأن.
أن يكون
اضطراب اللغة عند الذهاني عبارة عن فقدان المعنى للكلمات، وبالتالي تستخدم الكلمات
بطريقة خاطئة للتوافق مع المعنى المرتجى غير الحاضر. وهذا يعني انفصالا قد وقع بين
الكلمة ومعناها, مما يؤدي إلى الاختلاط الواضح بطبيعة الكلام.
أن يلخص
الذهاني كلماته طبقا لتمثلها الشيئي في حياته الخاصة فقط دون الأخذ بالاعتبار ما تشكله
للغير، ووفق تجربته الشخصية.
أن يتكلم
الذهاني بجمل تعبر عن حدث طبقا لتسلسله الزمني والتعاقبي معتمدا بذلك على القيمة التي
تتموضع في كل كلمة قبالة الحدث.
أن يكون
الذهاني فاقدا للقدرة التي تُعين عليه أن يجمع الكلمات ذات المفهوم الواحد الذي يريد
ايصاله، وهذا يشابه تجربة اللغة الدنماركية،
حيث إننا نلاحظ الاهتمام يقع فقط على الاتيان بالمعنى دون ملاحظة الكلمة المناسبة ضمن
اللغة
الواحدة.
وفي
هذا الجانب ينبغي ملاحظة وجود طريقة ابتكارية في استخدام اللغة من قبل الذهاني.
أن يكون
الذهاني على علم بما يحدث ويتكلم بصورة ملغزة على دراية منه بذلك، بغية منه لإضاعة
فرصة الأدراك والهروب من واقعه المرير.
وذلك
من خلال فتح عوالم جديدة تبعث المعنى في تركيبة مشتتة من اللفظ مما يعود عليها مجددا
بمعنى غير مفهوم. وهذا ينطبق تماما على ما فعله الشاب الباحث عن الثراء الذي تناولنا
حالته في كتاب قراءات في الذات البشرية. فالكلام بطريقة الثمل كانت واحدة من غرائب
أفعاله والتي كان لنا تفسير لها يبقى بنفس المستوى من هذا الاحتمال، وأجد ملاحظة في
هذا الشأن، من حيث إنها مهمة جدا، إن هذا الاحتمال يفرض انفصال بين الوعي والأنا.
أن يعتمد
الذهاني على استخدام المعاني والكلمات المجاورة لما تشكله قيمة كلمة دالة على سبب ذهانه
أو حالته المنتكسة، وذلك يعني خوفا من التصريح بالأشياء الخاصة به لأسباب لا ندركها،
فيأخذ مثلا كلمة بيت بمعنى أب، أو كلب بمعنى عدو أو صديق أو وفاء أو قذارة، وفقا لما تقدمة هذه الكلمة من دلالة سواء على صعيد
العرف أو حياته الشخصية.
أن تكون
حالة الذهان وفق ما طرحناه من امثلة بعيدة جدا, وهي حالة لم يتمكن العلم إلى الآن من
تحديد طبيعتها.
إن هذه
الاحتمالات التي استجمعناها طبقا لاستقراء غير ممتنع في توسعه وتطوراته، من الممكن
أن تكون متواجدة كلها في حالة الذهانات، ومن الممكن خلاف ذلك، وقد يكون جزء منها متواجد
في بعض أنواع أو مستويات الذهان والبعض الآخر منتفي وجوده اصلا.
لا سيما
أن هنالك مستوى من الذهان يظهر فيه الشخص منسجما في الأداء والكلام أو التعامل مع محيطه,
مع وجود انهيار بين الحين والآخر.خذ على سبيل المثال الروائي أو الشاعر، فهناك الكثير
ممن تسودهم صفات ذهانية ولكنهم يبدون متواجدين
بقوة وحرص شديدين على الاتزان بنسق كلامهم ونضج معارفهم اللغوية، وكأنهم من الاصحاء.
إلا
أن هذه الصفات وإن بدت سرية في تموضعها ولكن من غير الممكن أن تفلت من قبضة المحلل
النفسي، وسبب ذلك بروزها الذي يتخذ دائما أقنعة
غير متزنة مع طبيعة ما يفرضه الواقع.
وقد
اطلق لفظ الذهان أو الحمق المعقلن على مثل هكذا حالات، تلك الحالات التي يظهر بها الذهاني
متزنا وحريصا على أن يكون واضحا في تصرفاته وطبيعيا في ميوله، أو
يمكن
له الاحتفاظ بالتصرف السوي لفترات زمنية طويلة مع ظهور بعض الانهيارات دون وضوح أية مقدمات، ونجد
شخصية شريبر التي تناولها جاك لاكان في السيمينارات المترجمة من قبل عبد الهادي الفقير
من هذا النوع.
ومن
المؤسف أن هذه السيمينارات غير مكتملة وفيها الكثير من الاقتطاع خصوصا عبارات شريبر
نفسه والمقتضبة-مذكرات مريض الأعصاب-حيث إن قراءة لاكان للنصوص لم تترجم من قبل السيد
عبد الهادي الفقير، مما يجعل التفسيرات متوازية مع مسامع وفكر الحاضرين فيما لو كانت
القراءة داخل الندوة فقط، لا مع القارئ، هذا بالإضافة إلى أن الحديث عن حالة شريبر
لم يكتمل لأن السيمنار السابع عشر اظهر لاكان مستمرا في تناوله لهذه الحالة. وهذا ما يجعل معرفتنا غير متكاملة في النتائج التي
رتبت حول الشخصية المصابة بذهان العظمة.
رغم
ذلك أجد أن ما بحوزتنا كاف للوقوف على الكثير من ارائه ومعارفه المميزة بخصوص الذهانات. وقبل استعراض ما
قدمه حول هذه المسألة ينبغي الوقوف قليلا لتحديد السمات البارزة للذهان وما يشكله بالنسبة
لفرضياتنا.
واجه
الطب النفسي في مراحله الأولى عدة مشاكل تتعلق بمسألة الذهانات، فمن حيث التوصيف وما
يدرج من
أعراض
تحال إلى مستوى الذهان كان هناك شيء يمكن تسميته (الانفلات من ادوات التشخيص).
فالكثير
من الأعراض المختلفة والمتقاربة التي توضع بمستويات مختلفة أدت إلى توسيع رقعة التنويع
لمرض الذهان، وهذا أدى بدوره إلى اختلاف التسميات، وكذلك الطبيعة التي يوصف بها المرض
خلافا لمن يحمله بكم مختلف أو بتعبير مغاير.
إلا
أن اغلب الجهات التي انشغلت بهذا المرض من الأوساط الطبية اتبعت التحقيق الظاهري لملاحقة
اسباب هذا المرض وخصوصا النظر الى العامل الوراثي.من هنا اكتسب الجانب العضوي وما يقع
تحته الأولوية في وضعه كعامل أساس في نشوء الإصابة بمرض الذهان.
ويبدو
أن اختلاف الأعراض الذي شغل بدوره مساحة لفرض تسميات واشكال مختلفة للذهان ساهم في
تعزيز فكرة النشأة العضوية للاصابات الذهانية.
ومع
أن هذه التقسيمات والتفريعات كانت مهمتها تذليل الصعوبات وفك العقد التي تحيط بقضية
الذهان اظهرت بدورها عائقا يصعب اقتحامه وهو الاشتراك المعنوي أو السلوكي بين مرضى
الذهان.
فمن
الممكن أن نجد ذهانيا يعاني من نوبات الشعور بالاضطهاد او الاكتئاب, وفي لحظة ينقلب
حاله إلى مستوى العصاب البسيط كالخوف من الأماكن الخالية، أو من الممكن أن يحمل الفرد
خصائص وصفات مجموعة أمراض ذهانية وعصابية يتنوع شكلها ونشاطها فيه في آن واحد.
وربما
هذا ما حمل فرويد على أن يطرح قضية رجل الجرذان بمستوى العصاب رغم أن الشاب كان يحمل
صفات ذهانية كما هو واضح في كتاب فرويد (التحليل النفسي للعصاب الوسواسي).
وقد
أشار لاكان إلى هذه الاشكالية التي وقع بها فرويد محذرا من أن دراسة فرويد لشريبر تضع
الذهان والعصاب بمستوى واحد.
وسواء
كان فرويد جاهلا في هذه القضية -وهذا ما استبعده- أم عارفا، فلربما كونه ينطلق وفق
نظرية تحدد سياق النشأة المرضية ضمن اسباب محددة ، أو يمكن القول بأن العصاب بالنسبة
لفرويد صورة لا يختلف منشؤها عن الذهانات إلا من ناحية الكم. يبقى هذا الكلام مجرد
استنتاج من قبلنا لا أكثر. أما فيما يخصني فأنا أحدد الذهان في ثلاث مستويات ، مميز، وغامض، ومعقلن.
أما
ما يميز الذهان بصورة عامة ، بيانه كالتالي. .
يتميز
الذهان باضطراب في القدرات العقلية على مستوى
التفكير والنتائج التي تعود اليه، واختلال في التعاطي مع الأشياء الواقعية بعكس النمط
المتبع من قبل عامة الناس، فالذهاني شخص لا يتوقف في حدود مرسومة تعين عليه الرضوخ
لمبنى أو طبيعة سلوكية معينة يعقد عليها تواصله، والشيء الذي يميز شخصيته هو الاضطراب
في المزاج وعدم الاستقرار أو القدرة في اتخاذ منهج شخصي موحد في التعامل مع دلالات
العالم الواقعي، بالاضافة إلى الحزن والشعور
في بعض الحالات بالاضطهاد أو العظمة.
وقد
استغلت الكثير من التسميات والتوصيفات والعوامل المسببة للإحاطة بمرض الذهان. منها
ما توصل إلى قاسم مشترك على مستوى التوصيف أو على مستوى حمل الأسباب، ومنها ما أخذ
جانبا تحليليا بعيدا عن ما عهد الطب النفسي الأخذ به، وهذا هو ما سنعمل عليه في هذا
الكتاب. علما أن النظرية العضوية مازالت حاضرة
وبقوة رغم عدم إتيانها بشيء جديد بهذا الخصوص. فالذهانات أو الفصامات كما يذهب البعض
إلى تسميتها تحدد دائما في إطار العامل العضوي وما يقع تحته من مسببات,هذا الذي يؤدي
إلى جعل الخلل ينطوي على تدهور الأداء الوظيفي للدماغ. فالتسمم والاضطرابات التي تحدث
في الهضم أو ضعف وظائف الكبد، ومسائل أخرى، كان يرتجى منها أن تضع
تفسيرا
دقيقا لأسباب نشوء الذهان، وصولا إلى الدراسة التي تجمع النفس مع البدن كمحورين يؤثر
أحدهما بالآخر. ورغم أن هذه الرؤى لها قيمتها العلمية إلا أني لا أخذ بها, ليس لعدم
اهميتها بل لأنها لا تستطيع أن تفكر بالصورة التي يمكن بواسطتها القيام بتحليل دقيق
إزاء قضية الذهانات. خذ ضلال الاضطهاد مثالا على ذلك، فما يمكن تقديمه تجاه هذه الحالة
غير الطبيعية والتي تقترن بداء العظمة في أغلب الاحيان، ولماذا يكون شعور الاضطهاد
مواز في تجلياته مع داء العظمة، وما هو السبب
الذي يجعل المحللين النفسيين أن يحددوا طبيعة هذه الانتكاسات على أساس الجنسمثلية ؟
.إن هذه الاسئلة نعدها من المسائل البسيطة
في قبالة الكثير من الأسئلة الأخرى والتي لم تزل اجوبتها صامدة في غموضها تجاه الأبحاث.
(( كيف
نفهم الذهانات ))
أقول
في البدء رغم الاختلافات والاشكالات التي تحيط بمرض الذهان سواء من ناحية وصف الأعراض،
أو تحديد الأسباب، أو الانواع، أو تسمية المرض، إلا أنني أضع الذهاني بداية بنحو الاختلاف
الذي يقع بين المتفرج على
خشبة
المسرح والمتفرج على شاشة السينما.
وقد
يبدو هذا التفريق غريبا وبسيطا ولكني أجده الأدق في تحديد وتوضيح القضية برمتها أو
فصلها عن المباني التي تقدم الإطار السوي للشخصية.
حيث
إن المتفرج على شاشة السينما لا يأبه بما يحدث خلف الصورة المتحركة ولا بالأشياء التي
تحيط بها سواء كانت جمادا أم شيء آخر لأن اتجاهه نحو القصة، وما يشغله فقط الجسم
المتحرك والمتكلم .
وهذا
الأمر يمكن تجربته وملاحظته أثناء مشاهدتنا
للسينما والمسرح.
بينما
الجانب المسرحي يفرض أن نلاحظ ونعطي لكل شيء دلالة حتى بالنسبة للأمور البسيطة. -لوحة-كرسي-منشفة-قفل-جدار
ملون-. كل شيء ثابت أو متحرك يُهتم به ويُعطى دلالة معينة، دلالة من المؤكد أنها نفسية.
وهذا بالضبط ما يجري مع الذهاني في تصوراته عن العالم وفي حياته الاجتماعية، فكل شيء
يبصره يشغله بنحو دلالة ما، دلالة غامضة أو مرتبطة بدوال حياته النفسية، يثمنها ويقدم
لها طابعا معنويا وفقا لما يتعارض أو يلتقي مع حضارة نشاطه النفسي. فمن الممكن أن تمر
سيارة تعارضه في الطريق ليظن حينها أنها قدمت لقتله أو يمثل لونها نذير شؤم، كما
يحدث ذلك مع سماع بعض أصوات الطيور التي تنشط في
الليل. وهكذا بالنسبة لجميع ما يصادف من سماع
لكلمات من الآخرين.
ومن
هنا يمكننا ملاحظة البعض الذين يخوضون النقاش بأدق التفاصيل.
قد يبدو
هذا التوصيف لكيفية النشاط الذهاني بعيدا جدا عن الكثير من الأنواع المعروفة لدينا.
وقد
نواجه اعتراضات عديدة بخصوص هذا الشأن، حيث إن التحديد الذي قمنا به داعين من خلاله
لتوطئة قدم للانطلاق نحو مسألة الذهانات لا يؤدي إلى تشابه موضوعي مع باقي أنماط السلوك
الذهاني.
والدليل
على ذلك وجود الكثير ممن يعانون من إصابات ذهانية لا يأبهون بهذه العلامات ولا يتعاملون
مع الواقع بهذا المستوى. وهذا الأمر قد يبرز بصحة ما ولكن على مستوى معين من مستقبل للذهان أو
مرحلة، فالذهان وكما هو متيقن يبدأ بانقطاع
مع الواقع، وهذا الانقطاع ليس بالضرورة أن
يحمل انطواء، فقد نشاهد الكثير ممن يعانون من اضطرابات الشخصية ولكنهم يزاولون أعمالهم
بصورة شبه طبيعية. هنا نجد انفسنا في ضرورة قصوى للتحري حول الذهان المعقلن ,وسبب ذلك،
إن الجانب العاقل يمكن
استغلاله ليرفدنا بالكثير من التبصر والبحث النافع لفهم الذهانات بمستوياتها وأنواعها المتعددة.
إلا
أن هناك إشكال يقف عند تخوم هذا التحري، وهو أن ما نراه ذهانا معلقنا هو عبارة عن مرحلة
أو مستوى، وهذا بحد ذاته قد ينفي الجزء السوي الذي نعول على وجوده,ولأجل فهم ذلك لنقف
قليلا مع لاكان.
يعترض
لاكان على هذا الطرح أي( الحمق أو الذهان المعقلن) وكذلك على طريقة وصفه أو تحديد معالمه
كما أشار ردا على السيد كريبلن، إذ يقول- السيمينار
الثاني-ترجمة عبدالهادي الفقير-لقد تم الحديث عن عدم اضطراب قدرات الشخص العظامي، فالارادة
والتصرف، كما أشرنا قبل قليل لما قاله السيد كريبلن، تبدوان متطابقتان مع ما هو منتظر
من أناس أسوياء.
إلا
أن ما ننساه هو أن الحركة الديالكتيكية للأفعال والرغبات والقيم والتي تجعلها ليس فقط
تتغير دائما وأبدا وإنما قد تؤدي قيم متناقضة يتم بروزها أثر منعطف أثناء التخاطب،
فهذه حقيقة نعثر عليها في الخرافات الأكثر شعبية وهي تبين بأن ما قد تم حلوله لحظة
من فقدان أو خسارة ينقلب في اللحظة اللاحقة إلى سعادة وافرة مهداة من الآلهة. بهذه
العبارات لا يكتفي لاكان برفض نظرية الذهان المعقلن. وإنما في نتيجة كلامه الذي وضعه
لدحض هذه النظرية،
نجده
يجرد الحالة السوية من سياقها النمطي المؤدي
إلى تميز الاتزان والاتفاق على نحو معين من السلوك.
فالإنسان
الطبيعي إذن يمتلك خصائص ذهانية وفقا لكلام لاكان، وذلك من خلال ما نشاهده من انقلاب
مفاجئ قد يحدث في السلوك الذي نطلق عليه بالسوي.
وحقيقة
الأمر أن إشارة لاكان صحيحة في هذا الجانب.
لكن الفارق الذي يقع بين السلوك السوي والذهاني في
لحظة الانقلاب لا يتقاسم ذات النقطة أو النواة التي أدت إلى الانقلاب.
ولفهم
ذلك أكثر، نأخذ العقيدة الطوطمية خير مثال.
ما يميز
العقيدة الطوطمية أنها غالبا تعمل وفق تناقض المبدأ الذي تنطلق منه وتضعه أساسا لمعتقداتها.
فالقبيلة التي تحرم أكل نبات أو حيوان ما تعتبره الجد أو الأصل الذي انحدرت منه، تختار
يوما يحدد فيه خرق لهذا التحريم وتحوله من موضع القداسة والخوف إلى موضع الدونية، فحين
نرى أن القبيلة تقتل أو تبعد من يخترق هذا القانون نجدها فجأة قد أوقفت العمل بهذا القانون في يوم معين،
وقامت بهتكه بصورة جماعية، ومن الممكن الوصول بهذا الهتك حتى على مستوى القوانين الجنسية.
إن هذه
الحالة التي تبرز كعنوان يصور الانقلاب المفاجئ والذي يشابه بظاهره شخصية الذهاني يمكن
الاعتبار به على نحو نلمس فيه الامكانية لاشتراك هذا الانقلاب أو ما يشابهه بين الاصحاء
والذهانيين، ولكن الاشكال الذي نرفقه في اعتراضنا على طريقة لاكان في نقد الحمق المعقلن
هو ما يميز الدافع في كلتا الحالتين.
إذ أن
الذهاني في وضعه الانقلابي سواء كان انهيارا تاما لسلوكه العقلي أو جزءا منه لا يمكن
أن يُصور بنفس الطريقة التي تحدث لدى الشخص السوي، وخصوصا أننا في حال اختلال النظم
القانونية أو النمطية الادائية لدى الجانبين -اي الذهاني أو السوي-نضع علامات استفهام
كثيرة حول ما يقوم به الذهاني طبقا للتاؤيل
الذي يندرج في حساباتنا المعرفية للظفر بسلوكه الغريب حتى عن مخيلته. وهذا خلاف ما
يحدث لدى الشخص السوي.
إذ أنه يحدد تغيره دائما ضمن حدود معرفية واضحة الدلالة
بالنسبة إليه أو لغيره وعلى المستوى الظاهري.
بينما
الانهيار أو التغير يبقى مجهول السبب بالنسبة للذهاني. هذا بالاضافة إلى النواة التي
تجبر الذهاني على القيام بأفعال وسلوكيات متناقضة أو الكلام المُختلط، هل يمكن اعتبارها نفس النواة عند التي
تنشئ انقلابا أو تغيرا في وضع الشخص السوي ؟!.
وقبل
أن نتحول إلى مناقشة أخرى أجد من الأفيد أن اقدم مثالا آخر يتفق مع ما اشار إليه لاكان، حول مسألة الانقلاب
الذهني المفاجئ، بغية اثراء الدقة والوضوح. فقد حدث في العراق إبان الغزو الأمريكي
شيء لم يحدث له مثيل في الحروب السابقة، وذلك عندما تخبر عائلة شخص بمصرعه أثناء قتاله
الجنود الغزاة.
فبينما
هو معهود أن تصاب الأسرة بالحزن والألم، تأتي مجموعة موسيقية تعزف لحن أعتاد الناس
سماعه في حفلات الأعراس، وكأن ما يحدث هو حدث زفاف وليس فقدان شخص, هو, أبن أو أخ.
إن هذا
التحول في رسم خريطة نفسية جديدة للتعامل مع حدث مأساوي لهو غريب حقا رغم أن له جذورا تاريخية عميقة.
ينبغي
علينا الآن التصريح بما نذهب اليه إزاء مسألة الذهان المعقلن، وبيان موقفنا حول ما
طرحه لاكان، فهل يصح اطلاق الذهان المعقلن على سلوك يتصف بالاضطراب والاتزان في آن
واحد؟.
أجد
الاجابة على هذا السؤال مرتبطة بصورة اكثر عمقا بما يطرحه لاكان حول قضية الدال. وأجد
أيضا أن بالامكان فهم المسألة الذهانية بصورة أكثر دقة. وسواء كانت معقلنة أم غير ذلك.
((قضية
الدال ))
يقدم
لنا لاكان فهما آخر للدال، وهذا ما برز في سيميناراته المترجمة من قبل السيد عبد الهادي
الفقير، فالدال الذي عهدناه لغويا على مستوى الصوت أو الكتابة أو ضمن العلامة الموضوعة
والمبتكرة لا ينسجم مع مفهوم الدال بالنسبة إلى لاكان، (فما يتم رفضه في الرمزي يعاود
بروزه في الواقعي). يمكنني القول بأن هذه العبارة تختزل الظاهرة الذهانية والعصابية
في آن واحد.
إن هذه
العبارة والتي هي فرويدية المنشأ تبين لنا الفهم الذي يطرحه لاكان حول الدال.
فهذا
الأخير مقدم على المدلول لا بنحو المعنى المعكوس الذي قد يتبادر إلى أذهاننا، وإنما
بشيء خارج عن اطار تعقل المعنى، فالدال لا يتجه أو يشير إلى شيء، إنه منسجم ومنعزل بدون مدلول حتى مع نفسه، إنه موجود
كي تفعل بواسطته معاني الأشياء، وهو أشبه بقوة فعل تمارس دور تنشيط السلوك الإنساني
بنحو ما.
وكي
نوضح ذلك أكثر، لنفترض أن الخصاء هو الدال، وبما أن الخصاء معرض للإنكار أو النسيان
على أعتبار أنه حدث
مخيف
لا يريد الفرد معرفة أي شيء عنه أو تذكره فإنه يتعرض للنسيان والضياع ، من ثم يأتي
دور السلوك الإنساني الذي يتزعم النشاط النفسي,
رغبة في البقاء والابتعاد عن الصراع مع الأب.
هنا
بالذات وفي هذه المرحلة تحصل عملية ادماج، أي ادماج الخصاء واستبداله بسلوك نحو الخارج،
-الغاء فكرة حب الأم وتوجيه العاطفة باتجاه أشياء أخرى- وفيما لو تمت هذه العملية بصورة
صحيحة فهنا يكمن معنى السلوك النفسي السوي، وفيما لو حدث خلل في الادماج فان الشيء
الذي صاحبه خلل ما أثناء دمجه يعاود بروزه مستقبلا على شكل عصاب أو ذهان.
لقد
حاول لاكان إعطاء هذه الصورة من خلال تقديمه لشخصية شريبر المصاب بذهان العظمة ، فما
حدث لهذا الرجل من هلاوس وأفكار عظامية توحي بسقوطه في الجنسمثلية كان مردها إلى أن
هناك شيئا لم يفعل على مستوى الدال، فإن رفض الخصاء أو السلطة الأبوية-سواء بتفاصيلها
أو جزء منها- يعاود ظهوره من جديد عن طريق نكوص يتم عن طريق اللاشعور، مما يجعل اللاشعور
يعيد ترتيب الدوال لديه بعد نقصان احدهما أو أختلاف نشاطه المنسجم مسبقا إلى حد ما.
إن هذه
العملية تؤدي إلى اختلال النشاط العقلي لدى الإنسان، ذلك أن المنشأ الذي تصدر عنه التوجيهات
تعرض لهدم أو خلل في جزء من اجزائه. إن هذا
الأمر هو أشبه بعمل المصمم لصفحات الانترنت،
فعندما ننظر إلى صورة ما أو ألوان أو أشكال هندسية في جهاز الحاسوب فإن صناعاتها التي
تقوم بإبراز هذه الأشكال بعيدة كل البعد عن المظهر الذي يبدو لنا، فهناك احرف وعلامات
لا نفهم معناها، لكنها تمد الصورة بجزء من
الشكل.
تخيل
لو أن هذه العلامات فقدت ترتيبها الصحيح أو تعرضت مجموعة للمحو، فكيف ستبدو الصورة.
إن ضياع
الدال أو اكتساحه للذهن الإنساني يحدث خللا
اشبه بما يحدث مع الصورة في جهاز الحاسوب وفقا للمثال الذي طرحناه. وعندما يحدث هذه
الأخير فإن قضايا عديدة تحصل مع الإنسان، فهناك من يصمد وهناك من ينهار منذ البدء،
وهناك من يعوض هذا النقص بهذيان مفتعل ومتعمد من قبل الادراك، وهناك من يفقد الدال
بصورة كاملة ليعتمد على مستوى تخيلي يفقده السلوك الإنساني برمته.
إذن وبناء على ما تقدم يمكننا استنتاج وفهم تشكل
الذهان وفقا لعدم تفعيل الدال بصورة صحيحة، وهذا بحد ذاته يبين لنا عدم وجود ذهان معقلن
بالنسبة إلى لاكان، وما ينبغي لنا معرفته إن لم نتفق مع هذا الرأي أم اصطحبنا معنا
اتفاق،
هو أن
ضياع الدال مسبب لاضطراب اللغة والتفكير معا. ومن جهة أخرى علينا ان نتسائل عن كيفية
تشخيص الدال وفقا لقضايا الذهانات بصورة عامة
ووفقا لمستوياتها المتنوعة, فيا ترى هل ينطبق اختلال نظام الدال على جميع أنواع ومستويات
الذهان؟ .
إن هذه
الاسئلة حتى وإن حظيت بالإجابة الدقيقة من قبل المسلك اللاكاني الفرويدي الأصل إلا
أنها لا تعيقنا بقدر ما تمنحنا تقدما أكثر للبحث في مسألة الذهانات.
وقبل
ختم الحديث حول هذا الأمر سوف أبين ما يخص موقفي من الذهان المعقلن أو خلافه والذي
لا اقيده في مسألة داء العظمة فقط. وذلك لا يمكن الوصول إليه مالم أقدم مسألة السلوكيات
وفقا لبعد الكبت الفيزيائي.
((الكبت
الفيزيائي واللاشعور الخيالي ))
ذكرت
سابقا أن الكبت عملية لفصل التداعي، التداعي مع الشعور والتداعي في ما بين ذات القضية المكبوتة، فإن فكرة ما لو دخلت
في موضع الرغبة وتعرضت للاعاقة، فذلك يؤدي بها ليس نحو الطمر والضياع تحت قدرة التركيز
الرافض
لبروزها على مستوى الشعور، وإنما تتعرض الرغبة وفق مسلكنا لفصل التداعي.
علما
أن الفصل يحدث على نوعين يؤثر احدهما بالآخر
ويفقد احدهما القدرة في هذا التأثير وفقا لظروف متباينة تعتمد على المنشأ الظرفي.
فالرغبة تفصل تداعياتها مع الشعور الخيالي وتفصل
أيضا جوانبها التي تمدها بتكوين متكامل كظهورها في أول مرة.
لنأخذ مثالا على ذلك، تخيل أن لديك لوحة أو صورة
لمنظر ما، وتخيل نسيانك للصورة، ثم تخيل أن هذه النسيان يحدث مع تشظي اجزائها، بحيث
لو إن ذاكرتك أعادتك إلى الشيء المفقود، فإنك
لا تستطيع تذكر ما يميز الصورة أو ما هي مضامينها،
ذلك أنها متشظية المضامين، ومن الصعب استجماعها. بهذا الوصف يمكن الاقتراب من فهم الكبت
، فالكبت إذن يطال الرغبة ويطال الأجزاء أيضا.
الأمر
الأهم أن الكبت بعض الأحيان لا يطال المضمون وإنما الرغبة فقط، حيث تفصل عن الشعور، مما يعني أن بقاءها على عتبة الشعور أو على مقربة
منه أمر وارد الحدوث.
لنقف
الأن عند بوابة الكبت الفيزيائي كي ندرك المعنى الذي نذهب بواسطته إلى تشكل الذهان، لأني اعتقد بأن الدخول في حقل الذهانات ينبع من
الاختلال الذي يقع في هذا الجانب من الكبت.
يقدم
الكبت الفيزيائي الدعائم الأولى لبناء الأنا، فهروب الذات الغريزية من واقع ما، الجوع،
الاضطراب، العجز، يؤدي بالأخذ إلى ما وراء
الموضوع، أي ما وراء الإحساس بالضيق.
وفي
ضمن تجارب متلاحقة تتصارع فيها الذات الغريزية مع تجارب مماثلة تبدأ علامات ظهور الأنا
إلى الخارج، ذلك يعني أن الأنا هي شيء خارج موضوعها مرتبطة به على شكل مدلول، بل الأنا بحد ذاتها مدلول يحمل دلالات الموضوع الأصل.
وبفضل
الكبت الفيزيائي تتكون الميول الاسقاطية في الأنا، والإنكار، والتبرير والتحويل، بالاضافة
إلى الإلغاء الذي نستخدمه في تخفيف أحزاننا.
تلك
الأحزان التي نرتبط بها شعوريا أثناء فقداننا شيء ما أو حصول ما لا ترتضي حواسنا المثول
أمامه، فنجد أنفسنا نحزن دون أن نشعر بذلك المسبب الذي تاه عن ذاكرتنا وأبتعد لتبقى
آثاره في إطار محاولات اللقاء به من جديد، أما بغية خفض توتر اقتحم منطقة لا تقبل القسمة
والتشكيك وأما لطبيعة الإنسان التي تتعامل وفق مبدأ النسق المكتمل.
إن أول تجربة
تقدم للكبت الفيزيائي أرضية للتعامل مع مجريات الأمور الصعبة هي تجربة البكاء،
فهو لا يعبر عن
الألم
بقدر ما يحمل فعل غرضه إبعاد الألم، فالبكاء تخفيف ألم حادثة ما ، ومحاوله لدحره والتغافل
عنه، ولا يكون البكاء تعبيرا عن الألم.
إن مفهوم
التعبير الذي ينشده الناس من خلال الأشياء الجميلة والحزينة يدفع بقواه في مجالات كثيرة
إلى المغالطة وسوء الفهم. وهذا هو الحال في قضية البكاء، حيث إنه جانب يحيل الألم إلى
موضع آخر، إنه إقحام الذات في داخل بوتقة توقي شدة الحزن، وبما أن هذه التجربة تعد ناجحة تماما في معهد الطفولة، فإنها
تفتح آفاقا جديدة في فهم التخلي والهروب والبحث عن ملاذات آمنة في المستقبل.
يمكن
القول بأن هذا هو الوجه الإيجابي إن افترضناه بطريقة ثانوية، الوجه الإيجابي الذي تُرسم
بواسطته طبيعة معينة للشخصية، فالبناء النفسي المبكر ضروري لتوقي الاضطرابات، كونه
يقدم مركزية السيطرة والقابلية على التحكم في ما يحدث جسديا ونفسيا، ولكن شيئا ما قريبا
سيحدث بعد الدخول في صناعة المركزية(الأنا)، إذ أن هذه المركزية سوف تُسلب بعد تعلم
اللغة وسوف يدخل من جهة أخرى الوعي كقانون منطقي عام يمثل الجانب الفيزيائي في العالم
ويمثل التجربة وتبعاتها بكل جوانبها وتفرعاتها.
وفي
هذه المرحلة بالذات تبدأ قضية الصراعات التي يمكن من خلالها اختبار الشخصية السوية
وخلافها.
وهكذا
فإن اللغة مفتاح جديد لتلافي الصعوبات التي كانت تضع الفرد في بوتقة الألم النفسي،
فمع اللغة يمكن التعبير ويمكن خفض التوتر من
خلال الانشغال بالكلمات التي يسمعها الطفل عند اطلاقها في الفضاء وكأنها باعث جديد
لتسوية خلاف مع طبيعته التي لطالما أشعرته بالعجز.
إلا
أن هذه المرحلة وإن بدت تحمل جانبا إيجابيا يقوم على تخطي مسائل الانشغال والحاجة النفسية والجسدية ولكنها سرعان ما تفتح بوابة
جديدة قد تعود على الطفل بمشاكل وانتكاسات-هنا بالذات يكون دور الأسرة الفيصل في تركيب
البنى النفسية الطبيعية والشاذة لدى الطفل- فاللغة أداة للتعلم والتعامل مع العالم
ليس فقط العالم الذي تنشط وتتجه نحوه الارادات وإنما العالم النفسي الداخلي للطفل،
فأي اضطراب بايلوجي يمكن أن يستعين الطفل بلغته للتعبير عنه بدل عن تعبيره السابق المتكل
على الحركات والانفعالات.
إن هذه
الأداة الجديدة التي تشعر الطفل بالفرح لقابلية الواسطة التي تقدمها لتجاوز الصعوبات
تبدأ بمهامها كعامل مساعد وبوابة تجاه عالم جديد بالنسبة لنظام وتشكيل بنى الأنا. فالأنا
بدأت بالانشطار على نفسها وبدأ القسمان بالابتعاد شيئا فشيئا مع استمرار تواصل بينهما
على النحو الذي تقتضيه الحاجة. فقد تكونت الأنا عندما اصطدمت بجدار لتذهب باتجاه ما
وراء الموضوعات اعتمادا على
تجربة
البكاء، وبعد تكرار التجربة مرارا وتكرارا أصبحت الأنا تنشد المكان الذي هو محصلة(المنأى)حتى
اصبح هذه المنأى مرتبطا بموضوعاته على شكل
مركز ستدخل فيه قضايا الضمير والحب والعداء.
إذن
فالأنا عنوان واحد ولكنه منقسم على نحو اللغة من جهة وعلى الصورة والإحساس من جهة أخرى، وفي هذا الطور من النشأة
يكون الإحساس والصورة قد ابتعدا بعدا كافيا
كي لا يتم الخلط بينهما، إن هذه العملية تعطي القوة اللازمة لفرض معنى الدلالة وسياقها
المعرفي، فالصورة شيء مشوش لا يعبر عن فكرة وإنما عن حالة وجدانية، اما اللغة فتعبر
عن حالة وجدانية بالدال المستقبل من الآخر. لنتصور أن هذا الابتعاد الذي من خلاله اصبحت
اللغة قاعدة للفهم والنمو المعرفي وقع في حالة امتزاج أو اختلاط، لنتخيل أن الصورة
المشوشة داخل الحالة الوجدانية دخلت في مجال اللغة وباتت ترغب في التعبير عن نفسها
بواسطة اللغة، فكيف يكون الحال مع عدم وجود تعبير متصل بالأصل!.
فعندما
يشعر الإنسان بالجوع فإنه يقول (انا جائع)ولكن ماذا يفعل الإنسان عندما يقحم شعور غير
متصل بمفردة لغوية دالة ويطلب التعبير عن نفسه، بصراحة لا يحدث شيء سوى الاضطراب.
إن فقدان
دلالات الكلمات مرتهن بارتباطها المتين بالدال اللغوي المعبر عنه من خلال الذاكرة، وتحطم السياق
اللغوي المعتاد يحدث في حالة اندماج يقع بين المكبوت الفيزيائي وبين الأنا المنشطرة
باتجاه اللغة.
إن هذه
العملية لا يمكن استيعابها بقوة ما لم نشير إلى اعتقادنا بأن اللاشعور جهتين وليست
جهة واحدة، فهناك اللاشعور الأول المرتبط بالخيالي وهو صورة مع احساس، واللاشعور المرتبط
بما اسميناه واقعي الذات وهو لغة وصورة وإحساس. إذن يكمن منشأ الذهانات واضطرابات اللغة في تجاوز المساحة المفترضة بين هذه
المفاصل والتي بواسطتها يمكن للفرد الدخول في عالم الإنسانية.
ينبغي
أن نفترض أن كثيرا من الاجابات القادمة من فرض التساؤل أو الاستنكار سوف نجدها داخل
هذه المنظومة التي وضعتها لتفسير نشأة الذهانات، فالانهيارات التي تحدث فجأة للشخصية
بفترة متأخرة من العمر ناتجة عن عدم الصمود أمام التجاور الذي تعرض للادماج بفعل ظروف
بيئية أو ممارسة ضغوطات خارجية صعبة.
فديمومة
العزل بين اللغة وما لا يعبر عنه بلغة قد تصمد ضمن حدود معينة، إلا أن فرض وجود الحدود
قائم على أساس الاختلاف لا على أساس العزل المبدئي، وهذا ما يوصل الذهانات إلى مستويات
متعددة وأشكال مختلفة.
حيث
إن اللغة عندما دخلت في حيز الاستخدام كان هناك سلفا وجود الصورة والإحساس بشكل منعزل،
ومن ثم جاءت اللغة لا لأجل تعريف الصورة والإحساس أو نقلهما إلى موضع آخر، وإنما لأجل
التعبير عن الواقع الذي يمتثل أمامه الفرد في لحظات حياته الجديدة، من هنا كانت اللغة
بمنأى عن الصور والاحاسيس التي نشأت منذ بداية أول لحظات الطفولة، وبالتالي فإن دمج
ما يقع بين مرحلة ما قبل اللغة وبعد اللغة يؤدي بدوره إلى الذهان كونه يسلب النسق اللغوي
من ارتباطه بالمدلول.
ليس
ما يشغلنا الآن سوى الالتفات لقضية النسيان، آخذين بالاعتبار مسائل مهمة تتجلى على
شكل أسئلة واستفهامات اضطررنا لتأجيلها للصفحات القادمة، بغية وضع الموضوع ضمن تسلسل
يتيح للمتابع النخبوي فهم ما نذهب اليه. وبدورنا سوف نتناول النسيان، ليس ذلك النسيان
الذي يحدث في مرحلة متأخرة من العمر أو ضمن حافز لا شعوري أو حدث مرتبط بتلف خلايا
الدماغ. بل النسيان الذي يرتبط بتجارب الطفولة المبكرة، وعن السبب الذي جعل نسيان الطفولة
أكثر عمقا وتواصلا بذات الوقت مع تركيبة الأنا. وفي الحقيقة أن قضية هامة تبرز هنا
حول ما أشرت فيما يخص الكبت الفيزيائي، صحيح أن الطفولة مرحلة لم يتم فيها إعطاء الذاكرة طابعا تنشيطيا لما تفتقره
الذات
من تجربة كلامية منظمة، ولكن الأمر لا يقف عند هذا السبب، بل لأن النشاط الذي ما زال
يقيم علاقته مع الواقع الخارجي والداخلي وهو نشاط الكبت الفيزيائي يكون في حال استمرار
في التقاطه للصور والأحاسيس التي قد تكون محمولة في مدلول لغوي، وقد تستمر هذه الحالة
للسنة الرابعة من عمر الطفل حتى تتهيأ له القدرة
الكافية للاعتماد على لغة ليظهر عندها الكبت الاعتباري وهو كبت يتعلق بلغة.
بناء
على ما تقدم تتضح لنا الصورة التي تبدو عليها الذاكرة وفقا لما افترضناه من حملها أشياء
غير معبر عنها بدلالة لغوية، هذه الصورة التي تختلف من فرد إلى آخر حسب طبيعة نشأته،
فتعاظم الكبت الفيزيائي يقلص الفارق بين المنطقة المشوشة بالصور وبين المنطقة المدركة
لغويا، وكلما اقتربت المسافة تقدم العصاب أو الذهان وصولا لاضطراب اللغة، بينما أجد
من جهة اخرى اضطرابا لغويا فيه تعمد، أي أن الأنا اختارت هذه المسيرة محاولة التكيف
مع واقع تجد فيه تخفيف الصدمة خيارا لا بد منه بصرف النظر عن الطريقة المتبعة.
وقد
صادفت الكثير من هذه الحالات في تجارب سفري في فترة شبابي المبكرة، فما زلت أتذكر ذلك
الرجل الذي كان يعمل معي في إحدى الدول التي اتجهنا إليها في نهاية
التسعينيات،
كان رجلا متزنا قليل الكلام همه الوحيد العمل بجد ونشاط, وتكون لقمه عيشه حلالا، ذلك
بعدم استغلال وقت العمل للكلام أو المزاح،
كان يبقى في غرفة عمله دون أن يتنقل في الغرف
المجاورة بغية الراحة أو كسر نمطية التركيز والتعب. وحدث فجأة شيء لم يكن متوقعا أن
يصدر منه، حيث انطلق هذا الرجل نحو العاملين وبدأ بشتم بعض منهم دون سبب ، ولم أفهم
صراحة الشتائم التي صدرت منه، فقد كانت أشبه
بالهذيان، كلمات مترابطة ,وكلمات لا صلة لها بالكلمة التي تليها، حتى أصبح مثيرا للضحك
بالنسبة للحاضرين، ثم انتهى به الأمر بالتغوط
على نفسه. وهنا اضطر البعض للحديث عن وجوب إرساله للمستشفى، لأن الرجل قد انهار تماما وتحول إلى شخص آخر.
قد تعرض
هذا الرجل للنكوص حسب تعبير فرويد، وتحديدا المراحل الأولى للطفولة، ولكن إلى أي مدى.
؟، فقد استمرت حالته ما يقارب سبعة أيام حتى اقتنع أن يباشر بالذهاب إلى طبيب ويعود
لنا معافيا. الغريب في الأمر أنه تذكر جميع ما تصرف به تجاه الآخرين وتجاه نفسه، كما
أنه تذكر ما كنا نقول له من كلمات جادة , أوعلى سبيل المزاح. فيا ترى أي هذيان وانتكاس
وقع فيه هذا المسكين، وأي نوبة انهيار، وكيف تذكر ما فعله تماما.
علما
أن التذكر لا يعفينا من ربط هذه الحالة بالمسألة
الذهانية.
وحقيقة
الأمر أن هذا الرجل كان يعاني من ضغوط بسبب عدم زواجه ، وبسبب رفض النساء القبول به، لعدم توفر بعض الشروط المتعلقة بالشكل أو الحالة
المادية، وهذا ما جعله ينتكس ويشعر برغبة في الابتعاد، ذلك الابتعاد الذي هو اشبه بهروب قدم له المعونة أثناء تشكيل الأنا في مرحلة الطفولة،
عندها يتوجب عليه البحث في مكان خال من اهمية التعامل مع هكذا تصورات تعود عليه بالألم،
فأختيار الطفولة كمنشأ للدلالات إشارة قوية وواضحة لمحاولة إعادة صياغة الفكر برمته،
إلا أن هذا الصياغة لا يمكن تفعيلها بسهولة ، ذلك لأن اللاشعور المرتبط بالخيالي لا
يعي معنى اللغة، فالذهاب باتجاهه بنحو النكوص يفرغ الأنا من محتواه وهنا تبدأ مسيرة
الذهان، فالكلام يصدر بعيدا عن السياق الذي اعتاد على الاعتماد عليه فيتجه نحو فراغ.
ما أود
ايصاله من خلال هذه الحادثة والتي شهدت شبيهاتها من الحوادث الكثير، هو أن الذهان لا
يمكن الوصول إليه من خلال طريق واحد أو عله واحدة، فقد تعمد هذه الرجل أن يهذي بغية
الهروب من ضغوط لا نعرفها عن حاله وعن ماضيه، ولم يكن الكبت الفيزيائي في حالته هذه
بمنأى عن تنشئة ذهانه المعقلن، إلا أن الأمر حدث وكأنه استجابة للهروب الذي نشأت بواسطته الأنا من خلال أول مواضيعها
وهو البكاء، فالدخول في عالم الهذيان اللفظي عمدا
هدفه استجابة للعودة نحو منطقة متفرغة من الألم،
وهذه المنطقة كما نعلم تكون بداية مشوار الطفولة، ولكن هذا الأمر لا يجعل الاستجابة
تتعلق بعودة دون الأخذ بالاعتبار قضايا اللغة واضطرابها وتعتيم الصورة الحالية وفقا
لخيالات تنبثق بصورة عشوائية.
فإن
حدث نكوص لدى شخص ما فيا ترى كيف سيستجيب إلى رؤية طائرة أو صديق قديم إلتقى به فجأة، حيث إن عمل اللاشعور الخيالي يأخذ
استثارات منوعة ومعقدة ومتشابكة في آن واحد.
إن الاستجابة
لأي منبه بالتأكيد تكون مختلفة بين تجربة وأخرى فما بالك أن حدثت استجابة داخل حقول
زمانية مختلفة أيضا واقصد هنا أختلاف العمر، الصغر، الكبر، نوع التجارب.
يمكن
القول بعد هذا التقديم لمسالة الذهانات، والذي
اعتقد بصراحة أن الكثير مازال ينقصه، يمكن القول بأن الذهان المعقلن غير موجود بنحو
واقعي، وإنما يمكن استخدام المصطلح للتعبير
عن حالة وجدانية وقعت في اختلال مع ما يقابلها من بنى نفسية تأثرث بفعل هذه الأخيرة.
بينما
التخلي عن استخدام هذا المصطلح أي الذهان المعقلن
سيسبب
خللا في فهم الوضعية التي تحتلها قضية ما ضمن دراستنا، فكيف يمكن وصف الذهان الغامض،
أو ما أسميه المرض السري، إن اصطلحنا عليه تسمية ذهان أو فصام دون أخذ الاعتبار للجانب
السوي فيه، وكذلك بالنسبة للذهان المميز وهو ما يشترك مع الفصامات -التي لم أشر لها-
في كثير من الجوانب.
صور الخيالي وآثارها في البنية السيكولوجية.
إن استخدامنا
لمفردة خيالي ليس بالمعنى الذي يضفي طابعا
وهميا على صورة أو فكرة ما، فالخيالي هو القدرة على جمع صورتين أو أكثر لضمان اختبار
أو تخصيص معنى ما، وكأنك تقول الأرض منبسطة، فهنا أنت جمعت شيئين لاستخراج معنى خصصت
به فرض وفقا لترابط معين. وبواسطة هذا الترابط الذي يبدأ مشواره انطلاقا من مبدأ عدم
التناقض، يبدأ الطفل بمعاينة صورية للحال الذي يدور حوله وما يقتضي من خبرة لتخطي حالة
ما أو صعوبة تجاور رغباته.
ولكن
الخيالي في حاله وفي وضعه لا ينشط من تلقاء نفسه كغريزة تميل للتكيف مع واقع ما أو
سلوك معين يحصل
بالوراثة،
فالخيال إن قلتم هو مجموعة صور تتصل فيما بينها انطلاقا من عفويتها. تلك العفوية التي
ستبدو مستقبلا على شكل رغبة أو سلوك.
إن ما
يميز الخيالي هو اختلاط الصورة مع العنوان والمزاج أي الجانب النفسي، فالطفل الرضيع
الذي اعتاد أن ينظر إلى أمه في كل لحظة من لحظات نداء الجوع، لا يعلم شيئا عن هذه الصورة
سوى الإحساس بالأمان والاطمئنان، فليس هناك في عالم الطفل شيء بعد اسمه أم أو أب.
لذا
نلاحظ اهتمام الأطفال في بداية مشوار حياتهم بالأب أكثر من الأم، وهنا أقصد الاهتمام
لا التعلق أو المحبة، فعلاقة الطفل بالأم ليست غامضة، أنها علاقة امتداد، وكأن الصورة
التي أمامك هي لشيء تعرفه مسبقا، ذلك أن المعرفة كانت غير حاضرة قبل رؤية الأم.
من هنا
ينظر الطفل إلى الأم كجزء منه يتقاسم معه عالمه، جزء يدخل ضمن المشوار الحياتي مستقبلا.
وهذا
خلاف العلاقة مع الأب، حيث الرابطة التي تتكون بين الإثنين رابطة تعرف، فالطفل ينظر
إلى والده على أنه شيء عليه التعرف به، وصورته في بادئ الأمر تشكل لغزا يتحرك أمامه
ويحتفي به كونه دالا على العالم الذي أقحم فيه دون معرفة سبب الكيف والأين والمتى.
بيد
أن هذا التعرف قد يتحول مستقبلا إلى نزاع، ليس ذلك النزاع الذي يقف عند حدوده المعنى
الحرفي للكلمة، وإنما نزاع نفسي نتيجة اصطدام الإرادة والرغبة بقوة الأب، فالأب هو
المتحكم، هو الشارح الذي أشرنا إليه في صفحاتنا السابقة، وقانونه هو ما ينبغي اتباعه،
وفيما لو خرج الطفل عن مسيرة الأب، فإن تفكيره سوف يتعرض للتهميش والتشويش. هنا يكمن
معنى صراع الإرادة بين الشارح والمفكر. فالمفكر يريد أن يصل بصوته إلى أبعد مدى وبالكيفية
التي ينشدها، أما الشارح فيريد أخذ الأفكار ليعطيها حقها ضمن قانون يحكم به، وهذا خلاف
رغبة المفكر الذي سيشعر بضياع حضوره واستحقاقه, بعدما تعرض للتبديل والتحريف.
في هذه
الحالة بالذات يمكن فهم معنى نقص الإرادة والرغبة وسلب الذات حقها، هنا يقع الجزء الذي
سيظل خافيا عن المعرفة الشعورية إلى الأبد، جزء اُقتطع من صفحات المفكر، وعليه فإن
أفكاره ستكون غير كاملة، وفيما لو أراد استعادتها فعليه أن يسعى خلف السراب.
يجدر
بنا ابداء ملاحظة بهذا الشأن، فعنوان الرغبة الناقصة لا يمتثل إلى مجرى جنسي أو أوديبي
إذا جاز التعبير، كما أن استخدامنا لكلمة رغبة أخص واقل شأنا فيما لو قارنا ذلك بمفردة
الإرادة، فهذه الأخيرة تعني بالنسبة لنا شيئا
متكاملا
من الوجود الذي يتحرك ليس لحاجته فقط وإنما اعتمادا على نشاط الخيالي، فصورة ما تقود
إلى أخرى, وما بعدها تقود إلى أشياء، كما هو حال رؤيتك لمنظر طبيعي تتشابك فيه الطبيعة
والشخوص التي تنشط في داخله. تخيل أنك تقف امام هذا المنظر الذي يقودك إلى محاولات
لكشف ما لم تصل اليه يدك أو عينيك، وفجأة ظهر أحدهم ليقول لك كفى وحدودك ها هي امامك.
عندها
تشعر بأن إرادتك متوقفة على هذا الشخص الذي يجب أن تدخل معه في صراع. والغريب أن هذا
الصراع هو ما يدخلك في المجال الإنساني .
إنها
مصدات تضع امامك فروضا محددة، فعليك أن تكون مسلوب الإرادة وعليك ان تحدد طبيعة رغبتك.
إن سلب الإرادة هو من يدخلك في المعرفة الإنسانية،
فبداخل هذا السلب يكون ضياع المركزية التي صور لك فقدانها من خلال صدامك مع الأب، أي
الشارح.
عندها
تبدأ بالبحث والسعي خلف هذه المركزية التي ستعود عليك بالإرادة، حينها تتحول إلى إنسان، هاجرا المرحلة الحيوانية، إذ أن دخولك في هذا العالم
الملغز يعطيك فرصا لتجد نفسك من جديد، وهذا ما يسميه البعض إيجاد الذات، إلا أن هذا
الإيجاد
يفتقر إلى الدلالة التي تأخذك إلى الإرادة الأصل التي سلبت منك من قبل الشارح. فقد
تعرضت للضياع وطالها الكبت الفيزيائي الذي سجل فيه تراث حياتنا التي خسرت الهناء والسكون
فجأة.
وما
كان للنسيان إلا الدور الكبير في نشأة الإنسانية. فنسيانك لإرادتك الحقيقية والبحث
عن ما يعادلها هو من يضعك في بوتقة تجعل منك انسانا باحثا عن السعادة والهدوء من جديد،
فلولا النسيان لما كان هناك سعي، ولا رغبة ولا إرادة.
إن الخيالي
بصفته الإيجابية والتي هي أنه ليس مورثا، هي الصفة التي تجعل الإنسان اكثر شمولية في
البحث والتعرف على العالم، فليس هناك حد يوقف ما تتمناه على مستوى الخيالي، فإنك تستطيع
أن تفكر في كل شيء، عدا إرادتك الضائعة والتي طمرها النسيان.
كنت
أتساءل في مرحلة من عمري المبكر عن معنى الهواية، كان أحد مقدمي البرامج التلفزيونية
يسأل المارة بعبارة ما هي هوايتك؟، لم أعرف معنى سؤاله ، كان عمري حينها ثلاث سنوات
تقريبا، وعندما جاءتني الإجابة من أحد الأشخاص فكرت في انشغالات البعض الغريبة، ومنها
هواية لشخص كان يسكن بجوار بيتنا يصنع لعب الأطفال من البلاستك وتحديدا علب تستخدم
للمنظفات المنزلية.
راودتنا
نحن الأطفال وكنا مجموعة أن نفعل كما يفعل هو، أن نكتشف اشياء جديدة ، أن نصنع بأنفسنا
ما نحب، أن نغير الواقع. ومن الطبيعي أن نفشل
لأسباب تتعلق بعدم استجابتنا النفسية، وأخرى تتعلق بعدم تناسب عمرنا مع هكذا اعمال
لحاجتها إلى خبرة وقوة بذات الوقت.
ليس
الغريب في هذا الأمر أن نعود إلى ما اعتدنا عليه ضمن سلوك طفولتنا وما يتناسب معها
من مشاهدة لأفلام الصور المتحركة، لنترك هذا الشخص مع ابتكاراته وهمومه في الاختراع.
إن ما كان يلفت نظرنا صفة البخل التي تميز بها هذا الطفل الذي كان يكبرنا بسنتين, وما
هو ربطها بهواية جعلته ينعزل شيئا فشيئا عن عالم الطفولة وعن المجتمع حتى في سنين متأخرة.
في الواقع
لا يمكن فهم العلاقة بين الهواية والبخل إن كانت
هناك فعلا علاقة، فليست لدينا مقدمات تضمن لنا سلامة البحث من الخلل إن نوينا
التوفيق بين القضيتين.
وما
إردت إيصاله مسألة التشبث والتفاعل مع الهواية والإنشغال بنوع من الأعمال ، فهذه القضية
يشترك فيها جميع البشر، وليس هناك إدنى شك من إدراك هذا الأمر، إلا أني اضع الهواية
والأنشغال بمستوى بعيد عن الحد أو النوع الذي تقف عنده .
فأهميتها
لا تكمن في أن تصل أو تحقق شيئا ما، بقدر الإبقاء على الميل النفسي الذي يتجه نحوها.
هذا يعني، أن ما تنشده الذات هو الميل النفسي وابقاءه ضمن نشاطه في داخل جو من الاستمرارية.
هذا ما يعيدنا إلى الإرادة وسلبها من ثم المحاولة لإسترجاعها.
((مراحل
تشكل الخيالي الأولىى ))
وصفنا
الخيالي بأنه ارتباط الصور بالإضافة إلى إحساس، إحساس مجرد من معرفة خارجة عن الإطار
الغريزي، الجوع العطش الاضطراب، مسائل يتصارع معها الطفل في بداية مشواره المبكر، تنضج
في داخله وتتحول إلى سلسلة من الدوال ضمن المفردات التي تقي هذا الصراع أو الحاجة من
فرض نفسه بصورة دائمة.
فعملية
الإشباع ترتبط بالجوع، والرقاد موضع يشعر بالعودة إلى عالم الاطمئنان وإلى مجرى الهدوء
النفسي. هنا يؤدي الخيالي دوره بصورة عفوية منعقدة مع الحدث، سواء كان الحدث نفسيا
أم تصوريا.
نفسيا
يتعلق بالحاجة والاضطراب البايلوجي بالإضافة
إلى الألم والراحة بكل مستوياتها. أما الجانب التصوري فهو ما يبرز من تصور من خلال
الرؤية واشتغال الحواس معا.
تعمل
الأنشطة الخيالية تباعا حسب المعطى الذي يبدأ بالدخول إلى عالم التصور حسب الأبعاد
المتعاقبة والمتسلسلة سواء كانت حوادث أو انفعالات، من ثم تخزن هذه الحوادث وما يشابها
لتصبح كدليل لعابر السبيل، حيث تبدأ هنا مراحل تشكل الوعي الأولى. في هذه المرحلة يبدأ
الطفل بالتمسك بالأشياء على أنها دلالات وعي ليس بالزائف وليس بالحقيقي فمشوار اللغة
لم يظهر بعد. والأمر الاهم الذي ينبغي علينا الإشارة إليه هو أن الكبت يبدأ الدخول
في عالم اكثر حدة، حيث إن العملية في السابق ووفقا لافتراضنا من وجود الكبت الفيزيائي فإن الأمر في
البدء كان يتعلق بإزاحة الألم، أي الكبت عن طريق إبدال الألم بشيء آخر كالبكاء، أما الآن، وفي بداية تشكل بناء الوعي طبقا للنماذج
المتكررة من الأحداث، فإن الكبت يبدأ بالانغماس في عالم المعرفة المقتصرة على صور الأشياء
وفقا لبناء جديد يتكون من جملة من الأحاسيس والمشاعر تتعرض للإغفال والنسيان. في هذا
الموضع بالذات ينشط مشوار اللاشعور المرتبط بالخيالي.
((مراحل
تشكل الخيالي الثانية ))
إن تنوع
الصور والأحاسيس وتكررها في بداية الطفولة يساهم مساهمة فعالة في تكوين الوعي، فالوعي
هو الأدراك، هو التمييز بين الأشياء، وهو الجواب الذي يفرض نفسه منطقيا، وما إن تكون
الوعي بصورة جيدة حتى أتاح للخيالي التلاعب والتضليل والقدرة على الابتعاد عن العالم
الواقعي، كما يمكن القول بأن طرح مشروع الموازنة النفسية بات في مرحلة متقدمة، فهنا
يمكن للصورة المختزلة في عنوان واحد أن تستنطق وتتناسل وتبرز ضمن مجموعة من الموضوعات.
الضعف
والتحجيم وعدم القدرة كلها أصبحت قضايا ملموسة، وما على الطفل سوى تجاوزها بواسطة نشاطات
وسلوكيات متعددة ومتوفرة حسب بيئته. كما أن اللغة وفي هذه المرحلة بدأت بالتشكل والتوسل
لبناء قواعد تستوفي حجم الرغبة والحاجة معا.
وبهذا
يمكن إزالة الستار عن مرحلة جديدة في عالم الخيالي، حيث يدخل اتجاه صناعة الأوهام والتعامل
في مجال المعاني بصورة أوسع، وأبرز ما في ذلك النشاط القوي لمفهوم السيطرة بالقوة البعيدة.
فمعنى الدال للكلمة
التي
تفرض مدلولا لا يتناسب مع الرغبة ينقلب على نفسه ليشكل صورا تحقق الرغبة بمعاني وصور
دائمة التجدد.
الأمر
هنا شبيه بانقلاب و تطور الخيال السينمائي، من الصور المتحركة الصامتة نحو الكلام ونحو
الرومانسية، ونحو الأساطير، والإثارة بشتى صنوفها, انتهاء بالخيال العلمي .
إن الدخول
في المرحلة الثانية من الخيالي يعد تجربة فريدة للإنسان لمحاولة الإشباع والتلذذ بما
حرم منه. سواء كان هذا الحرمان نتيجة الضعف والتحجيم أو سلطة الأب. كما أن تناسب الاهتمام
بموضوع الخيالي يندرج تحت حساب الضغط الخارجي وتلاقي الرغبة مع المصد.
هنا
يقع ما يجب التوخي منه وهو البقاء ضمن إطار الخيالي ,هذا ما يدفع إلى تشكل الذهان والمرض
السري, رغم ما تقوم به اللغة من دور مخفف الضغط عبر التعبير عن حاجة الإنسان على مستوى
الواقع.
صحيح
أن الخيالي بمرحلته الثانية بحاجة إلى لغة ليمارس عمله ودوره في نمو المعرفة وتجاوز
الأزمات بالإضافة إلى تشكل الوعي، فاللغة تساهم إلى حد كبير في وضع الخيالي ضمن إطار
معقلن ومسيطر عليه إلى حد ما عبر تجربتها التي تنطلق من الدال والمدلول، وبهذا يمكن
للغة أن تلعب
وساطة
عبر تموضعها كميزان معرفي يقي الخيالي من اتباع
سلسلة عشوائية كلعبة الإختفاء والظهور. فبدل أن يكون الخيالي عبارة عن صور وأوهام متنقلة فيما بينها بنمطية مكررة وغير
منضبطة، يمكن للخيالي اتباع قنوات اللغة بما
تحمل من دوال ومدلولات تتقيد ببعضها البعض لتشكل مركزية ما نحو التفكير.
والسبب
في ذلك أن الصورة في نظام الخيالي المجرد من اللغة تحمل إحساسا مرتبط بصورة عفوية وساكنة
في معناها، أما في مجال الدلالة اللغوية تلعب القيمة دورا كبيرا في أخذ الخيالي نحو
محطات وفضاءات تنعم بالضوابط والنظام وهذا ما سيقود إلى بناء سلوكيات وفقا للقانون
الذي ينبغي الانغماس فيه.
((واقعي
الذات *الماضي والوهم*))
إنه
اشبه بالمنفى ذلك الشيء الذي ندعوه الماضي، ومع ذلك فإن اشراقاته وصلاته المرتبطة بالحاضر
لا تنفك عن مخيلتنا. حتى وإن فقد الوعي تواصله المنطقي مع ما كان في ذاكرتنا، فلا ينبغي
لنا الاعتقاد بأن هناك شيئا قد اختفى
عن التأثير.
فعندما يختلي الماضي مع نفسه جارفا معه ذكرياتنا بكل تفاصيلها فإن شيئا ما سيبقى حاضرا
منها، شيئا لا نسميه بأسم أو عنوان أو دال أو صورة. ذلك أن حضوره لا يتم على مستوى
الوعي بكامله كي تتحدد معالمه، أو تُرسم بالطريقة
التي اعتدنا على رؤيتها.
ليكن
فهمنا لهذا الشيء بسيطا كي نشعر بقوة فعله بالخفاء، حينها، سنطمئن أن هنالك شيئا أسمه
اللاشعور يعمل بطريقة غير عشوائية، ويعتمد في نشاطه على ما نتبنى من سلوك وميل في لحظة
من لحظات الحاضر.
إننا
ندرك تماما أن عهدنا بالأشياء والأحداث والمواقف ينقضي بفعل مرور الزمن أو بمجرد التوقف
عند حد ما يصطفيه لنا المستحيل، ولكننا لا نعلم التأثير الذي سيمارسه لاشعورنا حينما
اصطدم ببعد عن تحقق رغبة أو فشل لم ندرك عدم قدرتنا لاجتيازه.
صحيح
أن اللاشعور جزء حيواني تخلى الإنسان عنه ليحصل
إنسانيته وحضارته بكل فنونها، إلا ان ما لايدركه الإنسان فيما لو تعرض لاشعوره إلى
الفناء-وهذا محال طبعا-فإنه سيعود إلى عالم حيواني سبق وإن تحرر منه, هذه هي الحقيقة. إن وجود مكب النفايات كما لا يطيب ليونج النظر إليه
بهذه الطريقة ليس سوى إدامة لتواصلنا
مع الحياة
الطبيعية.
إن هذه
الأهمية هي ذاتها التي يقدمها لنا الإيمان بالموت، فهذا الأخير كما يصفه لنا لاكان
بأنه إدامة للأنسان، ولولا الايمان به لانتهى كل شيء. وفي الواقع، هذه قضية يجب عدم
التغافل عنها، فنحن نعتمد على الكثير من الأشياء التي تقوينا وتعزز استقرارنا النفسي
والحياتي دون الالتفات إلى قيمتها، بل على العكس تماما، فالناس التي تمقت الموت وتعده
قدرا غير عادل، لا يدركون بأنه هو من يشارك استمراريتهم وتحقيق احلامهم فضلا عن مساهمته
في تنحيتهم عن الجانب الحيواني. فلو رفع الله عز وجل الموت لما بقي اثرا للاشعور ولعاد
الإنسان لصورته الحيوانية.
تخيل
إن الموت قد انتهى أمره وبقيت على قيد الحياة، وانظر كيف ستتصرف، فيا ترى هل تفكر بشيء
اسمه المستقبل، هل ستعمل، هل ستكون اسرة، هل ستحترم قانونا، هل ستخاف من شيء أو يؤنبك
ضميرك بسبب فعل خاطئ؟، كل هذه الأمور ستختفي تباعا، لأن دائرة نشاطك العقلي باتت منغرسة
في منطقة خارجة عن التفكير. فلماذا تفكر وليس هناك مستقبل، ولو فكرت فلأي مدى سوف يصمد
وعيك أمام ضغط اللاشعور، وكيف يمكنك السيطرة عليه. من المؤكد ولا محالة بأنك سوف تستسلم
لأن المسافة أكثر من بعيدة، وكل شيء سينتهي في مراحل بسيطة.
يمكنني
القول بأن المتابع النخبوي قد يفهم معنى الورطة التي يقع فيها الإنسان، ويدرك تماما ما هي المشكلة
الإنسانية برمتها، ولا ضير من النظر بهذا المستوى دون الأخذ بالتشاؤم، وكأن كل شيء
ليس على ما يرام، على العكس تماما فلدى الإنسان مساحة كبيرة ليتعرف على عالمه، وكذلك
لتنظيمه، كما يمكنه تجاوز المحن فيما لو دخل العالم بطريقه سوية وصحيحة.
كان
سؤاله الأخير يتعلق بحالته النفسية وميوله، التقيت به أثناء شرائي بعض الحاجات وزادت
معرفتي به يوم بعد يوم، كان شخصا طيبا، يظهر
مجاملة هادئة وخلفها شيء من الحزن، لا يمكن
لأحد ببساطة تتبع جذوره، طلب مني بعد فترة من الزمن القيام بمساعدته لنشر ما حل به
من آثار ارهاق وتعب نفسي أثناء مواجهته صعاب الحياة، كونه تصور بأني شخص روائي في بادئ
الأمر، لذلك كان مطلبه الأول أن يعرف الناس قصته الحزينة والمشرفة له بذات الوقت. وعندما
أدرك أن الرواية ليست من شأني سأل سؤاله المفاجئ-هل تظن بأني شخصا عاقلا-. ؟وبصراحة
استقبلت هذا السؤال بتأمل كوني لا اعرف عنه شيئا، وأقصد حياته الخاصة ، ولكنه سرعان
ما أوضح لي بعض القضايا التي أراد من خلالها تحليل حالته، وأساعده في تخطي الحزن الذي يكابده في كل
وقت.
لم ألحظ
في قصته أي جانب مضيء لأسير عليه خطى التحليل النفسي، فقد كان الولد الوحيد لأسرته
وقد فقد والده الذاكرة في سنوات طفولته المبكرة،
ومفارقته للحياة كانت قد أبعدت تعرفه على أبيه، فهو لا يتذكر عنه شيئا ، سوى
ما يروى من قبل والدته التي توفيت بمرض خبيث.
كان
عليه أن يكرس طفولته لخدمة اخواته البنات، ويحفظهن ويدافع عنهن رغم صغر سنه، أضطر لبيع
المياه والعمل في كل المجالات، مما دعاه إلى ترك المدرسة، ويدخل الحياة من جانب شديد
الظلمة، إلى أن انتهى به المطاف بتغير عالمه المرير من خلال كفاحه الناجح ويتخطى عقبة
الفقر ويقف بجانب الأثرياء.
قد يتصور
المرء في مثل هكذا حالات بأن الإنسان قادر على تعويض ما فاته، وهذا برأيي كلام غير
دقيق، فقد كان هذا الشاب يشتكي من الحزن المستمر رغم حياته الهانئة والسليمة مع أسرته
واطفاله، لذا كان همه الدائم أن لا يرى في داخله شيئا قاتما يبعث الحزن. وهمه الآخر
في كيفية التخلص منه، إضافة إلى خشيته من العودة إلى حالة الفقر والحرمان الذي عاشه
في طفولته.
وقد
يقول قائل أن الأمر هنا بسيط لتفهمه وتحديد
معالمه التي تؤدي إلى الحزن أو الخوف، فنحن أمام تجربة واضحة
للعيان،
وما يحدث هو فقط التأثيرات التي خلفتها مرحلة معينة من الزمن. وفي الواقع أن ما دعاني لطرح هذه الحالة هو هذا النوع من التحليل المتعجل،
والذي يميل اليه الكثير من المثقفين والمحللين،
فليس ضروريا أن ينتج الحزن عن ظروف صعبة يمر بها الإنسان، كيف ذلك ونحن نرى
الكثير ممن عاشوا تجارب قاسية لكنها لم تترك أي أثر ظاهر على حياتهم, وما تأثيراتها
الظاهرة إلا لحظة وقوعها، وخلافا لذلك نجد الكثير يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية
بينما حياتهم لا ينقصها شيء ليبدو لنا. فهناك من يعرض نفسه للموت دون مقدمات وهناك
من ينهار فجأة بعدما قضى عمرا طويلا في طريق الاخلاق والتعفف.
ليس
في هذا الكلام أدنى شك بأن البيئة والظرف الخارجي يتحكمان بطبيعة ما يُفرض على سلوك
الإنسان وطبعه، ولكن شيئا ما يحدث مرتديا قناعا يتخفى خلفه دافع أو خلل ليضع الإنسان
في طريق لا يدرك سبب اختياره. أن هذا الأمر ينطبق على جميع الأشياء بما في ذلك العادات
والطبائع والأمزجة، والهوايات الغريبة، وحب الأشياء التي أعتدنا أن نراها مقرفة.
فما
هي فائدة ولذة أن تساعد انسانا مع تحفظ كامل أن لا تعلمه من أنت، أو تقضي نصف حياتك
في غرفة لجمع
انواع
معينة من الحشرات ؟ّ!. كل هذه الأشياء تبدو غريبة عند أغلب الأفراد، ولدرجة ما تحمل
من غرابة تتعرض لإهمال البحث وطلب التفسير لحقيقة ما يجري خلف الظاهر، حتى من قبل الموصوفين
بها أنفسهم.
ومما
لا شك فيه أن أي عمل أو ميل سواء حملناه على مستوى الغرابة أو السذاجة فهو بالتأكيد
يعود على صاحبه بلذة ومتعة، بل حتى الثرثرة التي تطرق آذاننا وتسبب لنا الازعاج والتوتر
أحيانا فهي تعد منطقة هادئة جدا لصاحبها، إنها فسحة تمكنه من تعبير عن شيء والتغافل
عنه في وقت واحد، وهي اشبه أيضا بالوساوس القهرية
التي تشغل الإنسان دون اهتمامه بمعرفة السبب، فهنا يمكن للوعي والانا التلاعب بأدوار
الألم وطبيعتها التي تنجرف إلى الخارج وتعود إلى الواجهة مرة أخرى بطريقة مختلفة، وكأن
الأمر محاولة لإعادة برمجة للذات أو تحريف لثقل اللاشعور الذي سادته ممارسة الضغط.
سبق
وإن فرضت تقسيما قدمت فيه الذات ضمن جوانب يتشكل بها المشهد النفسي، وهي، الغرائز،
الواقعي، واقعي الذات،والخيالي. أما الواقعي فهو الواقع بمعناه الحرفي، وواقعي الذات
هو شيء دائما في الجانب المظلم وتحديدا الماضي، والخيالي المنقسم، فهو جزئين شعوري
ولاشعوري، وهذا الأخير هو الأهم من حيث الدوافع
المكبوتة
فيزيائيا، ففيه النشاط الأكثر تغلبا ودفعا للأنا. وما ينبغي التذكير به مرارا بأني
احدد جانبين لا شعوريين للذات، الأول هو التابع إلى الخيالي والآخر تابع لواقعي الذات
الذي تعيش بداخله الأنا.
ويلعب
اللاشعور التابع لواقعي الذات دورا اقل تأثيرا مقارنة باللاشعور الخيالي، من حيث انه
يحمل لغة واضحة وناشطة في الذاكرة ويمكن استجوابه بطريقة أسهل، اما اللاشعور التابع
للخيالي ففي جزء منه تتواجد اللغة وفي جزء آخر تتواجد الصور والأحاسيس معا، ومن دون
لغة. وانطلاقا من هذا التقسيم نفهم جيدا كما هو واضح لدى المحللين النفسيين قيمة الماضي
ومدى تأثيره في الظرف الحاضر، فكلما تقدم الإنسان نحو مستقبل ما فإن حقيبة تجمع خفايا
واسرار شخصيته وتفاعله مع محيطه تبقى دائما على مقربة منه لتحده وتضعه ضمن إطار معين،
حتى وإن تمرد على هذا الإطار وعلى هذه الأسرار الدافعة، فمصيره لا يتعدى رضوخه للجانب
اللاشعوري سواء كان سلبا أو ايجابا. فالحزن الذي يبقى في دوامة مستمرة مرده أن هناك
شيئا مفقودا مازالت الإشارة إلى فقدانه ناشطة. يبقى لدينا أن نبحث عن هذه الإشارة ونرى
سبب نشاطها المستمر ، فقد انتفى البحث عن الشيء المفقود شعوريا، إلا أن الاشارة نحوه
بقيت في مكانها، وكأنها آثار جانبية. ولكن الأمر
مختلف، فالشيء الذي يشير إلى المفقود حتما يمثل دالا على الفقدان حتى وإن تعرض المفقود للنسيان.
وهذا برأيي ينتج عن مفهوم النقص الذي يقابل الكمال طبقا للذة التي صورت فقط قبل ان
تحصل عليها.
يلعب
الخيالي في مرحلته الثانية الشعورية دورا كبيرا في تصوير الأشياء وفقا للانطباعات التي
تتشكل طبقا لمقدمات معروفة ومجربة، كما يمكنه تعيين اللذة وعدمها من خلال التصور فقط
دون الأخذ بتجربة على مستوى الواقع، وعلى سبيل المثال، فإنك لم تجرب حياة الغنى، ولم
تكن في يوم من الأيام شخصا ثريا لكنك تسعى إلى ذلك وفقا للمقدمات التي تطرحها تجارب
الأثرياء مقارنة بحالة الفقر لديك، ومن هنا تتجه لأن تتخلص من حالة الفقر، بغض النظر
عن ألم الفقر وما يفرض عليك من عبء.
وحتى
بعدم وجود الغنى اصلا فإنك تسعى لأن تتميز وتتفوق على غيرك، انطلاقا من واقعك الذي
يفرض عليك معرفة ما يمكن أن يكون وما يجب أن يكون.
من خلال
هذا المثال البسيط نفهم علاقة الرغبة مع الخيالي،
والعلة التي تجعل من الرغبة معلقة في موضع المستحيل
حتى
وإن خرجت منه أو انحرفت عنه.
فالتصور
يبقى في مجال السعي، وهو من يشكل إشارة نحو الرغبة.
فالرغبة
والموقف قد ينتميان إلى جوف النسيان، وفصل
التداعي، ولكن يبقى شيئا ما في طور الاستعداد للظهور مجددا ليحقق
هدفه ، وهذا الشيء هو الذي اسميناه بالإشارة.
بمقدورنا
الإحساس بالإشارة في حياتنا اليومية، عندما ننسى شيئا ما ونبقى على اتصال مع النسيان
دون معرفة ما هو الشيء الذي نسيناه ، وبعد ملاحقة ونظر إلى ما حولنا يمكن لشبيه أن
يقوم بمساعدتنا للتذكر.
أن هذه
العملية البسيطة التي تقدم لنا عونا لنحقق ما عجزنا عنه، تذكرني بعمل كان يقوم به الأطفال
أثناء لعبهم في وسط الطريق عندما يفقدون شيئا في ثقوب الأرض أو بين زاويا الأرصفة، فيبادرون برمي شيء يشبه المفقود ظنا منهم أنه يطلبه
ويبحث عنه ليجده أو يحدد لهم مكانه ، فضرورة اللقاء يخلقها التشابه، وهذا اعتقادهم
بالتأكيد، ولكني أجد هذا الاعتقاد لا يعبر عن سذاجة بقدر الذكاء الذي يتجلى بفلسفة
تتطلع لفهم الواقع.
حيث
إن هؤلاء الأطفال يعتقدون بأن النقصان ينتمي إلى عالم كمالي لا بد أن يقترن به، من
هنا فعملية البحث ستبقى
مستمرة،
إنهم قد أدركوا بأن هناك قانونا لا يمكن التعبير عنه بألسنتهم البريئة لذا تم
طرحه بشكل مباشر منسجم مع الواقع.
يأخذنا
هذا الفهم البريء الذي تجلى في ذهن الأطفال إلى قضية هامة وملحة في طلب التفسير، وهي
التشابه على مستوى التجربة العاطفية، فالإنسان يعيش ويكسب ويخسر، وعندما يفقد شيئا
ما ، كان يحبه ويتقاسم معه جزءا من عاطفته يبحث عن بديل يشبهه بالصفات، كي يعوض فقدانه،
ولكن لماذا؟!، لماذا يشبهه، لماذا التشابه يعوض الفقدان الأصل. وقبل أن نبحث الاجابة
فهل يلاحظ أحد صلة بين هذه القضية وبين فلسفة الأطفال في العثور على الشيء المفقود،
فيما يخصني أعتقد أن هناك صلة بين القضيتين ولكن باختلاف التموضع باتجاه الرغبة، ففي
لعبة الأطفال كان هناك تعلق بين شبيهين خارجين عن التحكم والامتثال للإرادة، بينما
في التجربة العاطفية يتعلق الأمر بالرغبة وعلاقتها بالصفات التي تبحث عنها مجددا. ومن
الممكن ان يبني رأيا ما انطلاقا من العلاقة التي امتدت بين الطفل والأم، حيث إن البحث
عن الشبيه العاطفي يرتد إلى التجربة العاطفية الأولى بين الطفل والحنان الأمومي، من
هنا تكون نشأة البحث عن الشبيه مقترنة دائما بالرغبة للعودة إلى مرحلة السكون النفسي
الأولى، إلا أن هذا الأمر
لا يمكنه أن يلقي بضلاله على جميع مستويات الرؤية
والاستنتاج الفلسفي كالذي بناه الأطفال في لعبتهم، ذلك أن التشابه موجود في الواقع
ومن خلال التجربة البسيطة المادية يمكن فهم
العلاقة التي تتشكل بين شبيهين يوضعان في مجال الاقتران. كذلك يمكن فهم دعوة الشبيه
للاقتران بشبيهه تعود لمفهوم السيطرة بالقوة البعيدة التي يسقطها الطفل على الأشياء
في عمره المبكر، فالأمر يتعلق بخضوع وامتثال، ذلك الامتثال الذي يبحث عنه الطفل عند
شعوره بالعجز والتحجيم حينها يطلب الأشياء أن تأتي أو تذعن لسيطرته ، ولا يختلف هذا
الأمر عن السحر، كما أني لا استبعد أن يكون منشأ السحر والشعوذة يعود لهذه الفكرة بالأصل-أي
السيطرة بالقوة البعيدة-، فالملاحظة تدل على أن السحر وقراءة الكف وغيرها من الأمور
تُؤسس لأجل خلق وظيفة لقوة إضافية للإنسان، قوة تتناسب لملء الفراغ الذي تأطر به عالمه
الوجداني.
وفيما
لو أردنا التوسع في هذا الجانب أكثر سوف نجد الوهم وصناعته يقترب اقترابا شديدا من
مفهوم السيطرة بالقوة البعيدة، فالبغية الأساسية للسيطرة بالقوة البعيدة هي سد الفجوة
التي تخلق التوتر والذي يشعر الإنسان بالضيق،
وفيما لو لم تتحقق آية آمال بخصوص هذا الجانب فإن الأمر سيتطور أكثر فأكثر ويتجه
نحو صناعة الوهم بالذات
لإعطاء
الواقع صبغة تتفق مع رؤية معينة، وهنا فارق كبير، فالطفل ينظر إلى القوة في الشبيه
متواجدة لاستدعاء الآخر، اما في صناعة الوهم
الأمر مختلف، فصانع الوهم يتصور أن القوة فيه، أي في داخله، مع تواجد التعارض المنطقي والواقعي مع كل ما يبذل
من تصورات.
وهكذا
نحن أمام شخص مريض عقليا منقطع عن الواقع،
بينما خيالاته وأوهامه اصبحت هي واقعه. فلقد امتثل الوعي لرغبة الأنا واحاط
نفسه بشبكة من التشويش على كل ما يصدر من الخارج. فالماضي يتكلم دائما ويحتج وينتظر
مراده فيما الواقع لا يصدر منه شيئا، ولهذا فمن الممكن أن تتقبل الأنا حل تسوية النزاع
والاتكال على الجانب الوهمي الذي يبقيها على مستوى معين من خفض التوتر. ولكن ماذا عن
الإشارة؟, فقد سبق وإن أشرت لوجود إشارة دالة على شيء ما حتى بعد تلاشي موضوعها. وهنا
علينا الوقوف على الفرق بين مستوى الإشارة وتنظيمها بالنسبة للمضطرب عقليا وبالنسبة
للشخص السوي.
إن الإشارة
الخارجية بالنسبة للشخص السوي تندرج تحت غطاء قوانين منطقية ترتبط بالواقع، بينما الإشارة
الداخلية القادمة من الماضي لا تشكل توترا أو اختلالا للذات كونها توجهت نحو
الخارج وباتت على اتصال دائم به، وهنا يكمن
معنى
تجاوز سلب الإرادة والأوديب.
أما
الإشارة المستمرة الحضور والقادمة من الداخل بالنسبة للشخص المضطرب فهي تمارس الضغط
دون توقف كونها لم تحتل لها مكانا لتلاشى فيه, واقصد هنا أن عمل الإشارة هو تنبيه على
شيء، والشيء المُنبه عنه مازال في الداخل مع
شحنته، لذا ينبغي تحويله وتفريغه من محتواه، وبما أن هذا الأمر غير متحقق بالنسبة للمضطرب
فإن التنبيه قد يُواجه بصناعة الوهم، وهذه الأخيرة تتسع لامتدادات كثيرة ومعقدة ومنوعة
في آن واحد، فصناعة الوهم بحاجة إلى اتقان وإلى كيفية وشروط تتلاءمان مع الطبيعة التي
تفرض نفسها كقوة فاعلة في التنبيه، سواء كانت
قادمة من الداخل أو الخارج. وفيما لو كانت هناك تنبيهات تستنفر وتتظافر مع الإشارات
الداخلية فقد يتجه المضطرب إلى الشعور بالاضطهاد كي يتغلب على الضغط، وفي حالات كهذه
نجد المضطرب لم ينسحب من المجتمع قدر الامكان لتخفيف تواجده ومواجهته مع التنبيه أو
الإشارة، وفيما لو انسحب قدر المستطاع فإن العوامل المؤثرة والجالبة للتنبيه والإشارة
سوف تخف وطأتها.
في حين
أن الاضطهاد بحد ذاته تجربة جديدة تضاف إلى صناعة الوهم وهي تعبير عن فشل ذريع لعامل
الوهم في تصديه للضغوط. ومن غير شك في أن الاضطهاد لابد أن
يوجه
نحو شيء ما, نحو الحظ, ونحو اشخاص معينين، وقد يبدو الأمر هنا اشبه بالعودة إلى الخلف،
وكأن السمة المشتركة بين الأشخاص المعينين وبين مسبب الاضطهاد بدأت تتقارب وتتشابه،
خصوصا إذا كانت الإشارة والتنبيهات الداخلية سببها الأب. فلقد لاحظت الكثير ممن لديهم
الشعور بالاضطهاد، أو لديهم الرغبة في العيش داخل بحبوحة الوهم، لاحظت أن أغلبهم غير
مجتمعين في علاقة جيدة مع آبائهم، أو بعضهم فقد أباه منذ مدة طويلة، والبعض الآخر كان
يرفض سلطة الأب بشكل مطلق لدرجة انه كان يطلق على أبيه اسم صاحب البيت دون أن يقول
أبي. واغرب ما سمعت من أحدهم حينما تحول فجأة
رجل تجاوز الاربعين إلى طفل وبدأ يتصرف كالأطفال في الأزقة بعدما فارق أبيه الحياة.
ومع
ملاحظة ما أشرنا اليه فلا ينبغي التصور بأن هناك وجوب لصناعة الوهم في ختام العلاقة
السيئة مع الأب، فمن الممكن بقاء الفرد على صلة جيدة بعالمه مع الشعور بأن شيئا ما
ليس على ما يرام، ومن الممكن أن يقع الفرد في الجنسمثلية، وكذلك السقوط في الأعصبة
القهرية والوساوس, بالإضافة إلى الميول العدائية.
وبناء
على ما تقدم، فإن الماضي يطرح دائما الاشارات أو التنبيهات، سواء كانت متواجدة في مجال الإدراك، أي
يمكن
فهم مسلكها وطبيعتها، أو في مجال المجهول، وهنا يمكن فهم التوتر والشعور بالحزن أو
الكآبة بصورة أكبر، كما أن المواجهة بين الوعي ورغبة الأنا في مسألة التنبيهات قد تواجه بالإغفال، أو الإنكار
وهذا الأمر يمكن الإحساس به ضمن التجارب البسيطة، فقد يخسر الإنسان شيئا ما إلا انه
يريد التغافل عن خسارته حتى لا يشعر بألم أكثر، وهذا ما اسميه إغفال، أو الإنكار وهو
نوع أشد من الإغفال, ففيه يحصل انقطاع بين السبب والنتيجة حتى بالنسبة للوعي نفسه وهذا
ينطبق على مصطلحنا في الكبت والذي نسميه فصل التداعي.
(( الذكورة
والأنوثة ))
لا شك
أن مفهوم الذكورة والأنوثة ينضج معناه داخل انطباع معرفي يعود لخبرة المجتمع وتجاربه،
ذلك أن تعريف الذكورة والأنوثة نابع من قراءة ورؤية اجتماعية. رؤية اجتماعية تنعقد
من تجربة المجتمع وتتماشى مع ظروفه واستثناءاته. فالذكورة والأنوثة ليستا اختلاف اعضاء
بقدر ما هما تنافر سلوكيات. ومع أن هذه السلوكيات تعتمد على ثقافة المجتمعات باختلاف
توجهاتها،
فإن
قضية المسلك النفسي تشكل في الأعم عنوانا دالا في أوجه المقارنة.
فالذكورة
قوة والأنوثة ضعف، هكذا وببساطة يمكن وصف الاختلاف بين الجانبين.
أما
الجوانب العضوية فيسقط معناها وقيمتها إذا ما برزت المسألة السلوكية كسمة فارقة. فالمرأة
التي تتصرف كرجل بقوة رافضة للضعف، ليست بنظر المجتمع سوى ذات منقلبة ومتناقضة مع ما
ينبغي أن تكون، وهذا ينطبق على حال الرجل أيضا، إلا أن تنافر السلوك هذا فيه الكثير
من التعقيد والغموض فيما لو أحلنا الموضوع إلى التحليل النفسي. (فخلف كلمة امرأة أو
رجل، معنى لا يمكن ان نقف عنده ببساطة، كما يقول لاكان)، من هنا لا يمكننا الوصول لتعريف
الذكورة والأنوثة بنحو يرتضيه التحليل النفسي، بغض النظر عن الجانب الفلسفي الذي يحيل
المعنى انطلاقا من الوصف الذي يقابله، فالأنثى هي ما يقابل الذكر، وكلاهما لا يمكن
تعريفهما دون النظر إلى اختلاف الآخر.
ليس
مجرى بحثنا فلسفيا كما يرى المتابع، لأن ذلك لن يتيح لنا سوى الدخول في أروقة من المصطلحات
والكلمات، والتي ستبدو غامضة ومملة، ناهيك عن عدم قدرة الفلسفة بما تتضمنه من تحليل
على الوقوف أو الإيفاء بنتيجة جيدة بخصوص هذا الشأن، لذلك يلزمنا متابعة القضية ضمن
مسار
التحليل النفسي والذي يحدد الذكورة والأنوثة ضمن قوانين تتعلق بمسار اللغة.
اللغة
بوصفها قانونا لا أداة للتواصل والتفاهم فقط. لذلك سوف استبدل كلمة لغة بمصطلح الخطاب
لأعني به اللغة التي تحمل قانونا موجها داخل ضوابط معينة، فخطاب الأب يحمل قانونا تربويا
صارما يفصل ما بين الذات وإرادتها، وكذلك ينطبق هذا الشيء على الأبن أو البنت، أو الأم،
فكل لديه خطاب يتحدد ضمن مفهوم الموقع الذي يناله وضمن حاجته.
يتمتع
الخطاب داخل اللغة ببناء منتظم يشير إلى مجموعة من الدلالات التي تؤدي فعلها حسب ما
يقتضي على السلوك من السير نحوه، وهنا يبدأ مشوار الذكورة والأنوثة الأول. فالدال والمدلول
العلامات التي تسير مبنى الذكورة والأنوثة وتدخله في مجاله المحدد سلفا وعبر ملايين
السنين. والدال الذي أقصد به هنا وتحديدا في هذا الجانب ليس الدال اللاكاني، ولا اللغوي
الذي يشير إلى شيء ما لأجل تصوره، كذلك بالنسبة إلى المدلول، رغم أن كل منهما يقع ضمن
خريطة التركيبة اللغوية.
فالدال
الذي أعنيه يفرض نفسه لتحديد هوية الطفل دون الاشتراك بمدلول مفهوم ومدرك بصورة صحيحة
من قبل
الطفل، لذلك يبقى هناك انفصال بينهما اي (الدال والمدلول)
حتى يفقه الطفل الإشارة والدلالة جيدا، من ثم يباشر بتنظيم الدال كمسقط تصوري ليبني بواسطته
قبلته الإدراكية.
لنأخذ
مثالا على ذلك كي يتسنى للمتابع فهم ما نذهب اليه، وهذا المثال يقع في تجارب بناء شخصية
الطفل إن كان ذكرا أو أنثى، فإننا نعلم جيدا بأن الاباء والأمهات يمنعون الأطفال في
مرحلة مبكرة من بعض الأعمال دون إدراك الأطفال سبب المنع ودون أن يصل إلى مرحلة الفهم بعد لا سيما فهم المنع بحد ذاته.
فقد يمنع الأب أو الأم الطفل من اللعب باعضائه الجنسية أو مص اصبعه أو إيذاء نفسه عن
طريق اظافره. فالمنع هنا إذا جاز التعبير لا يعني شيئا بقدر ما يصيب الطفل عبر التكرار
بالاستغراب أو الذهول حتى يتحول إلى مبنى دال على شيء لا يفهم معناه، فهنا الدال يقع
بمنأى عن المدلول لأن المدلول أو النتيجة المترتبة والتي يحاول الآباء منعها لا يمكن
تصورها لدى الطفل، من هنا يبقى الانفصال بين القضيتين يحول بين سبب المنع ومعرفته.
حتى يدخل الدال في إطار لغوي ليجتمع مع مدلوله بنحو تصوري ولغوي في آن واحد.
الأمر
الأهم أن تكرار الطفل لعمل ما يفترض منعه يدخل في مجال التحجيم وسلب الإرادة مما يجعله
يفرط في إبعاد
تناول
المعرفة وادخالها ضمن سبب منطقي أو معتبر إلى حد ما، لذك قد نلاحظ بعض الأطفال ليست
لديهم أية قدرة على الاستجابة للمفاهيم الاجتماعية حتى وإن دخلوا مرحلة عمرية متفهمة
للواقع وما ينطوي عليه من قوانين، فهناك قضايا تتعلق بالعناد وعدم الاستجابة النفسية
تبقى على مستوى متعاظم، قد يتصل بنهج العدوانية احيانا وذلك لعدم توفر غطاء معنوي وعاطفي
أثناء عملية المنع.
فالغطاء
المعنوي والعاطفة ضروريان لتقبل الذات لعملية المنع حتى في غياب المدلول عن الدال,
أي عدم تفهم الرابطة بين المنع ونتيجته أو آثاره.
فلماذا
على الطفل أن يستر أعضاءه الجنسية، ولماذا عليه أن لا يأكل هذا الطعام، ولماذا لا يمكنه
حيازة هذا الشيء؟, أسئلة كثيرة لا يتعقل الطفل اجوبتها، قد تأخذه حدة رغبته بالسير
نحو النهج العدواني ، وعدم الاهتمام بمسألة الآثار والنتائج حتى دخوله فترة المراهقة
والتي نلاحظ فيها فقر الوعي من خلال عدم أخذ القرارات أو الاتجاهات المناسبة والمتكفلة
بتجنب السوء.
لا يصح
أن نعتبر فترة المراهقة مرحلة بنائية للشخصية على اعتبار أن الشخصية قد بدأت مشوار
البناء في فترة السنوات الخمس الأولى، ولكن هذه الفترة يمكن فهمها على
أنها التجربة الواضحة إلى العلن وإلى الذات نفسها،
ذلك من خلال الدخول في مجالات عاطفية جديدة مع العالم، في مستوى أعلى وأكثر تطبيقا.
فالولد
والبنت قد اجتازا مرحلة الأوديب والإخصاء بالمعنى الذي نذهب اليه نحن، وعليهما الآن
البدء في مشوار الذكورة والأنوثة بالنحو الذي يتلاءم مع ما يرتقبه المجتمع. لذا فالسؤال
الذي يسأله الطفل لنفسه هل انا ذكر أم انثى سبق وإن جاءته الإجابة من قبل الأبوين،
وعليه الآن أن يسير بالمسلك الذي تنطبق عليه الإجابة بكل تفاصيلها، فالذكورة والأنوثة
ليستا جسد وإنما سلوك، وأعتقد أن هذه هي المشكلة الأكبر التي يواجها الفرد، حيث إن
تطبيق الجانب الذكوري أو الأنثوي على مستوى الوظيفة، أي التناسل وتكوين الأسرة ومسؤولية
حمايتها، يمكن القول بأن هذه المسائل توضع في إطار أولويات مفترضة، ولا يمكن أن تكون
مدرجة في المجال النفسي الذي ادعوه التلقائي. لنأخذ توضيحا على ذلك.
لنفترض
لديك اهتماما بمشاهدة أعمال سينمائية معينة كأفلام الرعب والإثارة، وبعد تقدم السن
أصبحت تشعر بأن متابعة هكذا أعمال لا تروق لك، هذا بالإضافة إلى شعورك بالاستغراب من
كونك مشغولا في السابق بهكذا أشياء، فنظرتك أصبحت مختلفة ومزاجك أختلف أيضا، حتى يصل
بك الحال إلى وصف نفسك بعديم الذوق في تلك المرحلة،
وهذا ينطبق كذلك على طريقة اللبس والمواقف التي تحدث معك وكيفية تفاعلك إزائها.
إن مثل
هكذا حالات قد يمر بها كل شخص مادام الظرف والزمن والحال في تعرض مستمر للتباين، لذلك
بمقدورنا أن نطلق على هذه المسألة بالمزاج، أي تغير المزاج من حين إلى آخر، والمزاج
هنا كما هو واضح عنوان طارئ يتشكل طبقا لاجتماع أسباب وأرضيات مختلفة، لذلك لا يمكن
اعتبار بناءه ثابتا وكذلك اعتماده لا يمكن أن يكون تلقائيا. إن الشعور الذي يأخذك بنحو ما من المزاج والذوق
ليس ثابتا وكأنه جاهز لأية فرصة ليستقدم ويظهر بذات شكله على نفس الوتيرة.
لقد
قدمت هذا التوضيح من خلال أمثلة تتعلق بالتجارب العامة لكونه يقع خلاف طبيعة الذكورة
والأنوثة في المشوار والنشاط النفسي. فالمزاج لا يرتبط بقضية أن تكون ذكرا أم انثى،
لأن تشكل كل منهما لا يرتبط بحال وتجربة وظرف، وإنما بادماج القوانين التي تتلقاها
في مرحلة الطفولة وجعلها كنسق دائم الفعل، وهذا ما له ارتباط أيضا بسلب الإرادة. فقد
يعتقد الطفل أن إرادته المسلوبة يمكن إعادتها عن طريق تفعيل نوعه الجنسي وما يقع عليه
من كماليات ينبغي التأمل بها وانتظار لحظة تحقيقها.
أما
تفعيل نوع الجنس، ذكر ام انثى، فيبدأ على شكل تلقين وإشارات ودلالات تستجمع بداية على
شكل تصورات، إلى حين تدخل مجالها الأهم وهو
مفهوم الفارق الجنسي بامتلاك القضيب وفقدانه.
فإن
هذا الأخير والذي يثير في المذهب الفرويدي ما يسمى بعقدة الخصاء، يقدم كلمة الفصل في
تحديد مسألة نوع الجنس, والمسلك النفسي، كون دلالاته مادية تأخذ من قبل الطفل بعين
الجد، فالولد يمتلك مالا تمتلكه البنت, وهذا ما يتجه به لمفهوم سلطوي يبقيه على مستوى
التمييز، خلاف الأنثى التي تشعر بالدونية لأجل هذا الفارق، تلك الدونية التي تجعل الأنوثة
في وضع استمرارية غير قابلة للتوقف نحو عالم تبحث فيه عن انقى وأعمق نقطة تجد نفسها
فيها.
إن الأنوثة
هي تعارض دائم الابتعاد عن الذكورة، ولهذا نجد المرأة في محل تناقض ثوري مع الذكورة. فذلك الفارق الذي
جسد النوع كان جنسيا، وقد برز مبكرا في مرحلة الطفولة، وهذا الفارق كان القضيب وحده، فكيف يمكن تلافي الأمور المشتركة في التشابه والانصياع
لقدر الإخصاء. ليس هناك طريق سوي سوى الاندفاع نحو الاختلاف أكثر فأكثر، نحو مسائل
تضيف فارقا واتساعا يشير بوضوح الى اختلاف الانوثة عن الذكورة. وذلك لأجل
تحويل
نقص القضيب من موضوع يعبر عن دونية في المركز
إلى واقع حال يكمل معنى الأنوثة، هذا ما نسميه النقص المكمل. ولكن من جهة أخرى نتساءل إن كان هناك
سعيا لا شعوريا للأنثى لحيازة القضيب، وهل
هناك رغبة بامتلاكه أو الحسرة على عدم امتلاكه؟.
ينبغي
الإجابة على هذا السؤال ضمن قضية تتعلق بجانب الضعف لدى الأنثى، وهنا أقصد الجانب الجسدي،
فعند تعرف الأنثى على هذا الفارق فإن تصورها الذي يدرك الضعف الجسدي الذي يميزها ينعقد
بصلاته مع تصور فقدان القضيب، ذلك يعني، أن الضعف الجسدي يفهم على أنه قادم من الفقدان،
لتبدأ التصورات بممارسة نشاطا يحفز قيمة حيازة
القضيب، إلا أن هذا الشيء يتنافى مع كمال الأنثى كما أشرنا، فكمالها يرتبط بعدم امتلاكها للعضو الذكري، ولذا فهي تسعى
للابتعاد عن الرجل قدر المستطاع، عن صورة الرجل بما تحمل من دلالات، ابتداء بالشكل
العام وانتهاء بأبسط التفاصيل التي تصور من خلالها مدى ضعفها لحد الدخول في القضية
المازوخية.
وبناء
على ما تقدم يقع تعارض وجداني بين حيازة وفقدان القضيب وما بين الكمال الأنثوي، وسبب
ذلك مرحلة السن المبكرة التي تعرضت فيها الأنثى
لمعرفة الفارق والذي سيكبت فيزيائيا في الأعم . وفيما لو كانت تشعر برغبة
ملحة
في حيازة القضيب فقد يجبرها هذا الشعور باستخدام المازوخية لفتح طريق الابتعاد عن الذكورة
بصورة أوسع واستغلال مجال الحلي والإفراط في الزينة لكسب ثقة أكبر في توسع مجالها الأنثوي
للتعارض مع الجانب الذكوري. إلا أن الأمر لا يمكن أن ينتهي بهذا الحد، فقد تتحول الميول
لحيازة القضيب إلى مستوى اعلى بسبب تصور خاطئ حصل في مرحلة مبكرة، وهو أن الأنثى لديها أيضا ما لدى الرجل ولكن هذه
المعرفة تبقى متأخرة لحين ما ينكشف الخطأ الذي يسودها، عندها تظهر معالم الرجولة في
صورة الأنثى بشكل خاص على مستوى الشذوذ وصولا
إلى الذهانات.
ينبغي
أن لا نغفل أن الفارق الجنسي بين الذكر والأنثى يقع بتأثيره على النوعين ولكن بصورة
مختلفة، تلك الصورة التي يلعب بها دور الحيازة والفقدان مسألة التعلق الوجداني والمسلك
النفسي، فالرجل قد امتلك القضيب وقد أخذ جانبا سلطويا بتمييزه وارتفاع شأنه، ولكن هذا
الأمر من جهة أخرى يسقطه في قاع الخوف من فقدان
سلطته هذه. ومن الطبيعي أن يتجلى هذا الخوف انطلاقا من تحليل معنى الفارق بينه وبين
الأنثى- كما اشار إلى ذلك فرويد-أو التهديد المباشر من قبل الأب أو الأم فيما لو استمر
الولد في تعلقه الأوديبي-فرويد أيضا-.
وقد
نفى فرويد خطر التهديد بالفقدان أو الإخصاء على حد تعبيره بالنسبة للفتاة، ذلك أن الخصاء
قد وقع ولا حاجة للخوف من وقوعه.
هذا
الذي جعلها تقف بمنأى عن الأمراض العصابية التي تقدم من هذا الجانب(كالقلق)، خلاف الولد
الذي له موعد مستقبلي مع شتى انواع اضطرابات القلق بسبب خشية الإخصاء. وهذا الأمر اجده
فيه الأهمية من حيث ملاحظة الاعصبة التي يتعرض لها الفتى.
فالذهان
والعصاب اندر وقوعا عند الفتاة، وهذه حقيقة نلاحظها في حياتنا دون الحاجة إلى دليل،
وفيما لو عرضنا الأمر متمنين الإجابة من وجهة نظر غير التحليل النفسي، فقد يجيبنا علم
الاجتماع في اقل تقدير إذا افترضنا، بأن الرجل يتعرض لصعوبة الحياة أكثر من المرأة،
فكثرة المسؤوليات التي تصاحب الرجل في مشوار حياته تجعل منه أكثر عرضة للإصابات العصبية
والذهانية. وإن صحت هذا الإجابة وهي سائدة عند الكثير ممن لهم اهتمام بمجال علم الاجتماع،
فكيف نفسر الاضطرابات التي تقع في مرحلة الطفولة وهي بارزة أيضا من حيث كثرة وقوعها
عند الولد خلاف البنت؟.
إن هذا
الدليل الذي أوردته أخيرا يجعلنا في مكانة أكثر أهتماما بمجال التحليل النفسي، سيما
طروحات فرويد،
وكذلك
بالنسبة لربط الأمراض العصابية بقضايا الإخصاء، ولكن هذا الأمر يأخذنا للتساؤل حول
اسباب نشوء الأمراض العصابية أو الذهانية بالنسبة
للفتاة، فان لزم علينا استثناء خشية الخصاء فكيف سنتعامل مع الأعصبة النسائية أو الهيستريا(2).
وفي
الواقع أجد في مسألة الحيادية الجنسية اجوبة
كثيرة حول هذا الشأن، علما أن ما أقصده بالحيادية الجنسية، هو، حياة الطفل الأولى،
قبل ظهور المسلك النفسي. فمن الممكن أن تتصور الفتاة بأن لها قضيب أيضا وقد فقدته، ومن الممكن أن تقع في اشتباه أو تشخيص خاطئ حول
ما يحمله الولد، ومن الممكن أن لا تدرك اي فارق بينها وبين الولد إلا بعد فترة متأخرة-
كما اسلفت-، وهذا ما قد يوقعها في الميول الجنسمثلية. حيث إن خشية الخصاء ليس لها وجود
باعتقادنا وما يحدث للفتاة من عصاب نتيجة الاعتقاد بامتلاكها القضيب لفترة طويلة وعند
اكتشافها هذا الوهم الذي كانت تسير عليه، أصبح من اللازم (2).
ينبغي
ملاحظة أن فرويد أشار الى قضية التخلي عن مرحلة جنسية واستبدالها بأخرى بالنسبة للفتاة,
حيث كتب يقول,كتاب ثلاث مباحث في نظرية الجنس صفحة 94(متى ما تم نقل التنبيه الشهوي
من البظر الى فتحة المهبل,يحدث لدى المراة تغير في المنطقة الرائدة يرتهن به مستقبل
حياتها
الجنسية,بينما يحافظ الرجل على المنطقة ذاتها منذ طفولته,وتغير المنطقة الشهوية الرائدة
واندفاعة الكبت في طور البلوغ-هذه الاندفاعة
التي تبغي فيما يبدو الغاء صفة الذكورة الجنسية لدى الفتاة-يوفران الشروط التي تهيء
المراة للاعصبة وعلى الأخص الهيستريا وهذه الروابط وثيقة الصلة بماهية الانوثة.
تغيير
مجراها النفسي بما في ذلك من صعوبة، إذ أن بنية الدال الأصلية سارت نحو بناء الذكورة، وهنا يقع الاشكال، فكيف يمكن تغير الدال إذا اصبح
نسقا معرفيا ضمن اللاشعور!. وفي الحقيقة أن محاولة التغيير أو الولوج في نسق معرفي ذكوري وهو بالتأكيد
شعوري، قد ينتج عنه الدخول في مجال الأعصبة والذهانات، وذلك وفقا لقوة المستوى الذي
تميل اليه الرغبة.
لابد
من التيقن بأن الأمر هنا اكثر تعقيدا من الجانب
الذكوري، رغم وجود قضايا مشتركة. فالإشكال الذي يقع فيه الذكر هو الخوف من فقدان السلطة
التي ميزته عن الأنثى، ونشأة الاعصبة- خصوصا القلق- تقدم من هذا الجانب، ولكن كيف نفسر
وقوع الذكر في الجنسمثلية؟,وقبل الإجابة يجب الإشارة الى قضية قوانين العلاقات.
((قوانين
العلاقات))
ينبغي
أن ننطلق من هذا التساؤل إن شئنا السعي نحو إيجاد مفاهيم صحيحة حول العلاقة بصورة عامة،
والتساؤل هو هل الإنسان يتحكم بالعلاقة أم العلاقة تتحكم به. يمكن القول أن الاجابة قد تأخذ مجرى تاريخيا قبل أخذها جانبا استقرائيا،
هذا إذا كان هدفنا البحث عن جذور بناء العلاقات الإنسانية، ومن المعروف أن هناك جملة
من الآراء والنظريات، منها قدمت العامل الاقتصادي
كبنية مؤطرة ومنظمة لطبيعة العلاقات الاجتماعية ومنها من اعتبر العامل الجنسي أساسا
ودافعا في تكوين العلاقات.
أما
نحن، ونعيش اليوم عالمنا المحكوم بنوع العلاقة وطبيعتها، فإن العلاقة محددة سلفا بالنسبة لنا، وهي من تأخذنا لتكوين علاقات جديدة ومستحدثة حسب
النظم التي ننطلق منها، وبداخل كل علاقة هناك عملية تناسل وتحديد لعلاقة تنبثق عن أخرى. إن مفاد هذا الكلام هو أن
الإنسان يسير في دائرة مغلقة، دائرة وفرت له قدرا من المساحة للتحرك دون التعرض للقانون
الذي يسودها. ولكن لنتساءل أي قانون هذا؟. هل هو اقتصادي أم سياسي أم علمي،
وبالطبع
الإجابة هنا تستقر في موضع النفي، فإننا نستطيع أن نتعامل وفق هذه المسائل بشتى السبل
المختلفة، نبقيها أو نرفضها أو نغيرها حسب رؤيتنا وحسب مصلحتنا الشخصية، فالمجالات
السياسية والاقتصادية وحتى العلمية تتعرض لتغير وتحليل وإعادة بناء، وليس في ذلك شيء
يمس القدسية، ذلك أنها لا تحمل قدسية بالأصل، وعدم قدسيتها قادم من عدم إشراكها في
الحقل الاجتماعي بنحو يفرضها كتعليم أو تأديب، حتى وإن فرضت أو مورست بشكل جماعي فلا
يمكن لها أن تدوم وتستمر لأن تشكلها المعرفي نابع من أساس غير منغلق، ومتعدد،
وبعض الاحيان متغير بذاته. إن عدم تحمل أي جانب والإلتزام به بنحو تعبدي أو
طقسي ذلك أنه لا يمكن له اختزال الأشياء بنحو
يعطيه فرصة للاستمرارية. وهذا خلاف الدين إن شئنا إدخاله في حقل بحثنا، فهو يتموضع
دائما في المجال النفسي الذي تتوالد فيه الاستجابة، وفيه يمكن أن تُختزل مجموعة مجالات
متوافقة غير متناقضة، ولكن غير متاح له أن يعم المجتمع بنحو متشابه، فلكل معتقده ودينه
وطقوسه، وطبيعي أن تتوجه هذه الاعتقادات نحو التعبد وتدور في فلك البناء الروحي للإنسان،
إلا أنها مع ذلك تختلف وتتباين، كما يمكن أن يطيح بها النكران وعدم التوافق في بعض
الأحايين.
إذن
حول أي قانون نتكلم ولا يمكننا إزاحته أو تقويضه
أو نناقش حتى فيه.
فقد
أشرت بشكل ملخص أن القوانين والأحكام بشتى تفرعاتها تتعرض للأنشاء والتغير بالإضافة
إلى التعديل، كما أن النقاش فيها والدخول في تناقضاتها مسألة يعلو الصوت فيها، ولكننا
إذا نظرنا إلى المجال الجنسي فسوف نلاحظ أن ثمة أمر يحكم أن لا تطرح مواضيعه للنقاش، وإن تصورنا أن هناك نقاشا
يدور فقد يحدث بطريقة الهمس أو الطرفة، أنها مسألة نتفق عليها دون ان نضطر لبحث حقيقتها.
فقوانين العلاقة الجنسية صارمة ، والخوف يحكمها من كل حدب وصوب، كذلك الخجل والعار،
فالرجل لا يُعير بشيء بقدر ما يُعير بشرفه الذي يرتبط بزوجة أو أم أو أخت. يمكن القول
أن بعض المجتمعات قد تجاوزت هذه المباني ولكنها مازالت تفعل فعلها في الجانب النفسي
على مستوى التألم والشعور بالدونية. ويعد هذا طبيعيا، إذا دققنا النظر في مسألة الصرامة
التي يفرضها الأب والأم في مرحلة الطفولة الباكرة، تلك الصرامة التي تركز في البدء
على إخفاء أو عدم لمس الأعضاء الجنسية، ثم عدم تناولها بأسمائها الحقيقية، والإشارة
أقرب دال لو طلب الطفل معرفة تسميات أعضاء جسده، حتى منها غير الجنسية. إنها طريقة
ذكية من الآباء كي يضعوا الطفل في بداية جيدة نحو الشعور بالخجل مستقبلا.
كما
أنها تضمن عدم اعطاء قيمة من قبل الطفل لأعضائه الجنسية وكأنه يدرك تماما معناها الأصلي؟!.
ومن
جهة أخرى يفعل هذا الأمر قضية الكناية والمجاز
في داخل اللغة، مما ينتج عنه إضفاء قيمة اكثر للإيحاء مقارنة بالاستخدام الواضح أو
الدقيق للكلام.
وقد
نبحث عن سبب استخدام الكلمة الواضحة بالنسبة للمرأة بنحو يأخذ المعنى لدلالة جنسية بالإيحاء.
فهذه
الصفة تغلب على معشر النساء أكثر من الرجال. وقد يُتصور أن صلة هذا الأمر تتعلق بالطبيعة
الاجتماعية التي تفرض على المرأة أن تكون كائنا جنسيا فقط، أي بسبب تسلط الرجل وأحكامه،
بينما الأمر أعمق من ذلك بكثير، فنحن لا نقف عند حد التصور الجنسي للأشياء وإضفاء اي
طابع عليها، بل نريد الوصول إلى اصل التصور وتكونه، اي بمعنى، لماذا على المرأة أن
تأخذ الدال اللغوي والتصوري بنحو مدلول لا صلة له بالدال.
قد يتذكر
المتابع ما ذكرت في البداية عن مفصل الذهان وطريقة فهم الدال بالنسبة للمسرح مقارنة
بالسينما، فهل يصح القول بأن الأمر مشابه هنا، لا نعتقد ذلك إلا إذا ارتأينا عدم التزام
الحياد وإطلاق الاحكام دون تروي، وهذا بعيد عنا. ولكن لا يمكن لنا أن نختلف في أن اطلاق
التصورات
ضمن
مسارات جنسية ينبع من أسس جنسية، وهذا يحدث بوضوح مع الطرفة، فإننا نجد دائما تحوير
للمفهوم أو التصور أو الدال في الطرفة بطريقة واضحة، وهذا يشبه إلى حد ما التصورات
التي تطلقها المرأة.
ونتساءل
عن السبب، وعن علاقته فيما لو انعقدت مع خشية الخصاء التي لم تقتحم الأنوثة، فهل يمكن
القول بأن ترميز القضايا الجنسية لم يحدث مع البنت بصورة كافية كما حدث مع الذكر؟.
وفي الواقع أن أدلة كثيرة هناك لتقنعنا بأخذ الفهم الفرويدي لإيجاد الاجوبة التي كنا
قد بحثنا عنها، ونقصد بذلك عقدة الخصاء التي لم تتعرض لها البنت بطريقة التهديد، فالفارق
بين الرجل والمرأة في هذا الخصوص كالفرق بين الغني والفقير، فالغني يبحث عن ديمومة
قوته والدفاع عنها مما ينهك قواه ويضعه دائما في إطار التوتر والكبت، بينما الفقير
ليس لديه شيء ليخسره. أن دليلا آخر يمكننا أن نرفقه ضمن ملاحظاتنا, فالشذوذ الجنسي يتعرض له
الذكر أكثر من الأنثى، وهذا يفسر ما
يؤدي اليه الفارق بين امتلاك القضيب وعدمه.
وبناء
على ما تقدم يمكن فهم الدال الذي يأخذ المجرى الجنسي بالإيحاء نابع عن عدم الخوف وخشية
الخصاء، فهناك شيء لم يفعل الكبت تجاهه وتجاه ما يترتب على كبته لأنه غير موجود بالأصل.
سبق وأن أشرت إلى كثرة الاصابة والتعرض للأمراض العقلية
والسلوكية بالنسبة للرجل مقارنة بالمرأة وعزونا سبب ذلك لخشية الخصاء(3)، مضافا إلى
ذلك مفهومنا حول قضية السلطة والتميز، والتي
تؤدي إلى تشكل انطباعات بإقصاء الرغبة برمتها
وارتباطها بعنوان سلب الإرادة.
فإن
تميز الرجل يضعه في بوتقة اتجاه وجداني يلتقي من خلاله بالكثير من الصعوبات، أولها
الحفاظ على التميز، وثانيها استغلال هذا التميز، وثالثها الخوف من الاقصاء عبر هذا
التميز ، وهذا بدوره يصل إلى التخوف من محو الرغبة برمتها. ولهذا يمر الرجل بكيفيات كبت تختلف من حيث الشدة مقارنة بالمرأة التي تكون في وضع أقل حدة.
(3)
(مع ملاحظة ما اشير اليه في هذا الجانب بان ليس جميع الامراض النفسية والعقلية قادمة
من خلال عقدة الخصاء أي الخشية والخوف,مضافا الى ذلك ما وجدت من دراسات تؤكد على إصابة
النساء بالامراض العقلية والنفسية اكثر من
الرجل وهذا خلاف ما ذهبنا اليه,علما ان الامراض التي حاولت ابداء ملاحظات حولها قصدت
قدومها من خلال الخوف والتهديد,أي الامراض النفسية والعقلية التي تنشأ عن قلق الاخصاء.)
إن الرجل
بحاجة إلى تقوية صلته بواقعه الذكوري أكثر من المرأة، وهذه إحدى الجوانب المهمة التي
تضعه في عدة مواجهات، فبعد تحقق الذكورة ينبغي
اجتياز مرحلة الرغبة وسلب الإرادة بالاتجاه نحو الخارج، نحو المجتمع والارتباط فيه
ضمن طريقة تؤدي دائما إلى تحقق عالمه الذي يجب عليه التفرد به، وأقصد هنا بالتفرد،
الصيغة التي يجب عليها اتباعها لتنشئة عالمه في ظل صعوبات عدة، تكوين الأسرة, والعمل،
وكل ما يقع على عاتقه من واجبات.
الأمر
المهم الذي ينبغي الإشارة إليه هو أن جميع الاعمال كذلك المسؤوليات التي يتوجب على الرجل تكريس حياته
لها جاءت عن طريق عالمه الذكوري المتحقق عبر الأعضاء الجنسية. وعلى أثر ذلك تبرز الجنسمثلية
عند الرجل كتخلي عن جانبه الذكوري كي يزيح من طريقه الآثار التي ترتبت من خلال عالمه
الذي بات لا يتحمل تبعاته، وليس من الغريب أن نلاحظ المجتمعات في عرفها وثقافتها تعيب
على الرجل ولا تعيب على المرأة، فهذا يدل على أن هذا الأمر ملاحظ بصور انطباعية غير
مدرجة في سياق تحليلي. إذ يتصور المجتمع أن القوة قادمة بسبب فرق الأعضاء ليس إلا،
وهذا ما يجعل الجانب الذي يُلتفت إليه إثناء المقارنة لا يخرج عن الدائرة التي أشرنا
إليها. ولكن كيف يمكن تحليل السقوط في المثلية في ظروف
أخرى
في عالم الذكورة. فقد يظهر الميل إلى الشذوذ مبكرا قبل الوصول إلى ما اثرناه من صعوبات
أو مواجهات؟!.
إن هذه
الصورة أكثر عمقا وتعقيدا، ففي هذا الشأن يقع الكثير من الالتباس والخلط، فقد يكون هنا تدخل الأم مؤثرا ولكن بصورة غير فاعلة
بالنحو المباشر.
ويتذكر
المتابع بما اشرت حول العلاقة الامتدادية بين الطفل والأم. فقد يستمر هذا الامتداد
دون انقطاع, أي بطريقة متواصلة لحين الدخول في عالم الذكورة بواسطة قانون الأب، بيد
أن اقتحام صورة الأب ستكون غير متحققة داخل سياق الكبت الفيزيائي مما يجعل الأمر متأخرا
لادماجه ، أو إبداله بنسق. وهنا أستطيع أن
أفسر الانهيار الذي يحدث للذكورة بعد عمر طويل من التعفف والالتزام الأخلاقي، فالصمود
لم يعد له قابلية أن يتطور أو يمارس ذات القوة بمواجهة الميل الأنثوي الذي أخذ من طرف
الأم.
كما
ان هناك جانب آخر يعزز السقوط بالمثلية، وهو،
الخوف من قانون الأب الذي يفرض الخروج عن السياق العاطفي الذي دخل فيه الولد مع حنان
الأم، مما يجعل الولد في موقف ضعف تجاه الخروج ليفضل البقاء، وكي ينجز ذلك فعليه التخلي
عن ذكورته.
(( ما وراء الفن ملحمة جلجامش ))
كنت
قد عزمت في السابق على تقديم دراسة سيكولوجية تحليلية لنصوص ملحمة جلجامش، إلا أن هذا الإقدام
الذي برز على شكل طموح يطوف حول المضامين الملغزة داخل النصوص بغية كشفها لم يتسن له
التحقق إلى الآن، وما منعني من ذلك بعض القضايا التي تخص الملحمة والتي تمثل وجها من
أوجه الاختلاف حول الترجمة والحضور التاريخي لمجموعة اشخاص يمكن أن يكونوا قد كتبوا الملحمة، وهذا إن وجد.
وخلافا
لذلك فأنا ما زلت أرى أن كاتب الملحمة شخصا واحدا، وليس مجموعة أشخاص، وسوف أبين ذلك
في كتاب مخصص لهذا الموضوع، أما الشيء الآخر الذي شكل مانعا بيني وبين ما كنت انوي
الشروع به ، هو، أن قراءة الملحمة بحاجة إلى
تأني وبحث أكثر، فليس من السهولة أن نقدم آراء
على مستوى القراءة التي يمكن أن تتقبلها افكارنا، أو بمجرد أنها تزاحم ميولنا على ذات المستوى في القيمة والاعتقاد، سيما وأن الملحمة
مفصولة عنا بزمن بعيد، زمن ظهرت واندثرت بين طياته عشرات الأجيال، فهل ممكن أن نقرأ
النص طبقا لما نستطيع ان نفهمه اليوم مقارنة بعالمنا الاجتماعي، بالتأكيد هذا امر غير
مرحب به.
ذلك
أنه يمتثل لمجتمعنا الذي يختلف بقليل أو كثير عن المجتمع السومري، كما أن الاختلافات
لا تقع فقط على مستوى الرموز الشعرية وما تفرضه من دلالات معنوية، أنما الأمر يتعدى
هذه الحدود ليصل إلى مسافة أو منطقة التناقض في فهمنا للعالم بأسره.
أما
الأمر الذي أراه يشكل أهمية في ملحمة جلجامش هو أن هناك شيئا جديدا بدأ يقتحم الساحة
الذهنية للفرد السومري، وهو في طريقه للتداول, وتحديدا رغبة الخلود، فالملحمة تعبر
عن حالة وجدانية جديدة ظهرت على سطح البنى الفوقية الاجتماعية، هذا يعني أنها حد فاصل
يشترك بين القدم والحاضر بالنسبة للسومريين آنذاك.
ولكن
ينبغي علينا أن نتساءل بخصوص هذا الاقحام, فهل هو ذاته سبب تشكل الملحمة أم الملحمة
كانت وسيلة لتلقيه ونقله على نحو مصور إلى العالم، وما الشيء الذي جعل الملحمة تنال هذا الخلود؟. وفي الواقع هناك الكثير من التساؤلات
التي تُفرض أثناء متابعة ملحمة جلجامش، وبالأخص ما يتصل بالجانب الاجتماعي الذي يمكن
من خلال الملحمة تعيين طبيعته، أو تمييز ملامحه على الأقل طبقا لدلالات المادة النصية،
ولكن هذا الأمر ليس بسهل كما يبدو فهناك دائما في النصوص انغماس بين شخص الكاتب والواقع.
هناك دائما ضياع صورة لا يمكن التنبؤ بها أو
الالتفات
إليها، وهي تشير الى سؤال حول أن كانت هذه المادة خلاصة لوصف بطل الأسطورة أم لوصف الشاعر، أم ان الشاعر دمج
ما يخصه ويخص البطل في مجال واحد يبقي كل منهما بنفس القيمة.
كتب
فرويد يقول حول الأسطورة. 131 علم نفس الجماهير. إذن فالأسطورة هي سبيل الفرد للانعتاق
من السيكولوجيا الجمعية. ولا ريب في أن الاسطورة الأولى كانت من طبيعة سيكولوجية.
إنها
اسطورة البطل, أما الأسطورة المفسرة للطبيعة فلم تر النور في ارجح الظن إلا في زمن
لاحق, غير أن الشاعر الذي خطا هذه الخطوة كان ينعتق بالخيال مع الجمهور يعرف بحسب ملاحظة
اخرى للسيد رانك كيف يرجع إلى الحياة الواقعية إذ نراه يمضي يمينا ويسارا ليروي للجمهور
المآثر التي يعزوها خياله إلى البطل وما هذا البطل في واقع الأمر إلا هو نفسه.
يتكلم
فرويد عن الأسطورة بنحو عام مدرجا بذلك ملاحظات أوتو رانك حول السر الأهم من اسرار
الأساطير، وخصوصا المتعلق بتماهي الشاعر مع البطل. وفي الحقيقة قد ذهبت إلى هذا الرأي
قبل عدة سنوات عندما قصدت تحليل ملحمة جلجامش، حيث كنت أفسر عبارة هو الذي رأئ كل شيء
فغني
بذكره يا بلادي، (أنا الذي رأيت كل شيء) . إلا أن هذا الرأي تراجعت عنه، ليس لعدم صوابه، على العكس،
ولكن بسبب اختزاله المتناهي للمعنى. وبطبيعة الحال، فإن الاختزال لا يضيف شيئا
جديدا، ولا نعده كشفا بقدر ما هو تقرير لواقع حال أو تشديد على قراءة رمزية واضحة الدلالة.
والمسألة
الأهم من ذلك، هي أن الملحمة لا تشتمل على بطل واحد، إنما عدة أبطال، بل حتى عشتار
التي ظهرت مناوئة لجلجامش قدمت هي أيضا دورا بطوليا.
لذا
يمكن القول بأن الملحمة قد جمعت مجموعة من المظاهر البطولية في آن واحد واستغلت هذا
التحشيد لتوسعة رقعة التناوب بين الأفكار وكم ظهورها. فالشخصيات الأربعة ، جلجامش انكيدو،
عشتار، خمبابا.
كل منها
جسد طبيعة وميل ورؤية باتجاه العالم، ولربما تميز جلجامش كان أوسع ليس من خلال رغبته
في الخلود وإنما بالأثر الذي يترتب من عدم تحقيق هذه الرغبة، فالشخصيات الأخرى لم يهمها
هذا الشأن وكانت تتصرف بطريقة أكثر واقعية رغم عدوانيتها، هذا من وجهة نظر قراءة لا
تهتم بمجال التحليل النفسي ولكن إذا نحينا هذا الجانب وادخلنا الشخصيات في إطار التحليل
فسوف تبرز
أهمية شخصية أنكيدو بصورة اكبر من جلجامش.
إن شخصية
انكيدو فعلا محيرة وغريبة كما أنها مقدمة كنموذج خال من الطبائع والميول منذ البدء،
فليس لها رغبة متعلقة بشيء، وهذا أعده ذكاء
وعبقرية من المؤلف الذي جرد هذه الشخصية بالذات من أي مجال لغوي منفتح-خالي من الخطاب-،
وقد يتصور أن هذا التجريد مبني على خلق انكيدو الممتزج بطبيعة إلوهية، إلا أن هذه الرؤية
خاطئة من حيث وجود الشخصيات التي امتزجت بالطابع الإلوهي مع محافظتها على رغبتها الدنيوية،
فعشتار و جلجماش أشخاص تقدم ميولهم قربا أكثر إلى الدنيوية منها إلى الألوهية.إذ أن
واقعية وانسانية كل منهما تظهر بوضوح، سيما عشتار التي اذهب لوجود شخصها الحقيقي والذي
عاش سلف جلجامش. أما من ناحية اقحامها في الملحمة فذلك كونها تجسد ماضيا مازالت آثاره
يستجيب لها الواقع، وذلك ليس من جانب تأثير
المرض الذي يستمر مع حياة الإنسان وإن شفي منه، ولكن من جانب اتحاد صورتها مع القضايا
الغريزية، خصوصا الجنسية منها، فضلا عن ذلك الروح السادية التي اجتمعت مع الجانب العاطفي
لهذه الشخصية، والتي جعلت منها مميزة أكثر من غيرها. لذا نلاحظ خلود هذه الأنثى ذات
الكيان الرمزي للدلالات أكثر من أية صورة اسطورية أخرى, كذلك انتشارها بين
الشعوب
والأمم القديمة، والحديثة.
والمتابع
للجوانب التاريخية وعلم الآثار يدرك تماما مدى انتشار العبادة العشتارية بين بين العراق ومصر وسوريا واليونان وكذلك أوربا، مع اختلاف التسميات،ولكن ما يلاحظ اقترانها دائما
بقضايا الجنس، باستثناء الحضارة الاشورية وقد بينت سبب ذلك في كتاب قراءات في الذات
البشرية. ولعل السؤال هنا يدرك تماما الجواب الذي يفرض نفسه , فيما لو بحثنا عن سبب
تقبلها بين المجتمعات بصورة واسعة، وعدم تحولها
كالآلهة الأخرى التي مورس اتجاهها الكثير من
التغيير، حتى اصبح من غير الممكن إعادة بعض
الآلهة لجذورها التي انفصلت عنها لتكون بواسطتها آلهة مستحدثة.
إذن
استمرت صورة عشتار تلازم الإنسان، وصفاتها
بقيت على اتصال دائم مع استجاباته النفسية، تلك الاستجابات التي تتعلق بالجانب
الجنسي والمُقتحم بذات الوقت بالسادية والتدميرية. مضافا إلى ذلك، حرية الإرادة التي
تميزت بها وقوتها التي تنطلق من دون اعتبار ودون اتكال، لتشابه في هذا الجانب شخصية
أنكيدو، خلافا لجلجامش الذي ظهرت لديه الحيلة والاعتماد على الغير لتجاوز محنة الصراع
مع انكيدو وجعل الغلبة لصالحه. هذا الذي جعل جلجامش أقرب إلى المدنية وإلى الإنسانية
أيضا.
وفي
الحقيقة اعتقد أن بمقدورنا استغلال هذا الأمر للتدليل على أن الاجتماع بين الشخصيات
لم يكن آنيا، بل أن البعد التاريخي قد تجلى
من خلال عدم الانسجام بين هذه الشخصيات على مستوى الطبيعة والسلوك. صحيح أن إينانا
السومرية التي هي عشتار البابليين تعرف بقدمها مقارنة بجلجامش،ولكن طبيعتها الجنسية
والعدوانية ساهمت بجعل الاستجابة النفسية منفعلة ومواكبة لحضورها مع اختلاف الظرف والزمن،
لذا تظهر وكأنها فعلا حاضرة داخل الملحمة ، ويبدو أن المؤلف كان مدركا أكثر منا لهذا
الاتساع الزمني الذي أراد تجاوزه عبر الصراع المفترض بينها وبين جلجامش، لذا تعامل
معه بطريقة انطباعية، كونه كان يكتب لزمانه
وليس لزماننا نحن، من هنا أظهر الخطاب الذي
تجلى على لسان عشتار من خلال موقع لا يمكن تحديده على مستوى المادة ، أي أن اللقاء
الذي حصل بينها وبين جلجامش لم يكن ماديا وطبيعيا بالمعنى الحرفي للكلمة، وقد استطاع
المؤلف عبر ذكائه تجاوز مسألة البعد التاريخي. أن هذا الأمر يثبت لنا قضية هامة جدا
على هذا المستوى، فالفارق الزمني بين المؤلف وبين جلجامش لم يكن طويلا، ان لم يكن معاصرا،
ولو كان عكس ذلك لجعل لقاء عشتار جلجامش كما وقع سابقا مع تموز أو دموزي. إذن كان هناك
من يقرأ ويتابع ولربما ينقد مجريات الأحداث التي تقدم في مسار النص لمطابقتها بالواقع
المفترض
آنذاك.
ورغم الاعتقاد بأن الأسطورة قد تلائم كل زمان ومكان على باعتبارها حاجة سيكولوجية،
إلا أن هذا التصور قد ينفى إذا خرج من إطار التصور العقلي المنعقد مع الخرافة والوهم.
ما أود
قوله، أن أسطورة ما, أو حكاية غير واقعية لا
يمكن أن تلاقي اية استجابة نفسية دون أن تُغلف بإطار عقلي ولو بنسبة بسيطة.
ويمكننا
ملاحظة ذلك من خلال تجاربنا مع الفن السينمائي، فالإثارة والتشويق يتقدمان جهازنا النفسي
فيما لو كانت المواقف المشاهدة من قبلنا تسلك المجرى المنطقي إلى حد ما، بينما لو سئلنا
عن حقيقة قوة المشهد والذي يظهر به البطل مواجها خمسة أشخاص لوحده لضحكنا واستهزأنا
به، لذلك على صانع العمل السينمائي أن يجد مخرجا يساهم في تعزيز قابلية المشاهد على
تقبل المشهد البطولي من خلال إثارة غضبه وطبيعته الوجدانية تجاه سلوكيات معينة قد يرفضها
أو يحبها، وهذا ما لم يفت مؤلف الملحمة. فقد وفر إرضية جيدة لتسلسل الأحداث واستطاع
أن يجعل من تكرار النصوص موطأ اسناد للاستقرار النفسي ولجذب المتلقي في أن يتطلع إلى
لذة متنوعة من خلال الاكتشاف المتجدد، كما أن هناك ملاحظة تتعلق بالتمهيد الذي حُجب
عن الأنظار والذي تُعزى إليه المسؤولية الكاملة في التنقل
بين فضاءات المواقف دون الشعور بأن شيئا ما قد اختفى،
مما أدى إلى تصوير جيد للمواقف والصلة التنبؤية لارتباط الحدث.
علاوة
على ذلك فنهاية التجربة التي خاضها جلجامش بدت ناضجة وواعية أكثر بالواقع المحكوم بقوانين
منطقية كالموت، وهذا خلاف التصورات السابقة التي كان البدائيين يحتفظون بها بقوة بات
واضحا لدينا أن المؤلف قد تحلى بمتابعة جيدة وجدية بذات الوقت لواقعه الاجتماعي، وذلك
من خلال اسلوبه الذي تبنى الالتفات إلى التفاعل النفسي المقدر له أن يستجيب لأحداث
الملحمة، ولا يفوتنا ملاحظة الجانب الرمزي الذي خفف بشدة اثناء تناول الأحداث، فلم
تكن هناك اشياء غامضة تحيل إلى معان أخرى أو مستبطنة، فكل شيء كان واضحا وحاضرا بقوة.
ولا نعلم صراحة كم من الوقت استغرق تأليف الملحمة، كذلك اجتماع شخوصها، فلا يمكن التكهن
ضمن المعطيات المتواضعة بضرورة اجتماعها، واعتقد لو اقتحمنا الملحمة بصورة أوسع اعتمادا
على النصوص في إطارها المعرفي دون الأخذ بالاعتبار اختلاف الترجمات, فإننا قد نجد مساحة
أخرى تضاف إلى مجهودنا لبناء نظريات جديدة وتفسيرات مهمة، وهذا ما سنقوم به في كتاب
مخصص. حيث سنحاول تفهم الاعتبارات التي أدت بالمؤلف أن يسير بالنحو الذي
جمع
فيه شخصية عشتار كمناوئة لجلجامش وكذلك أنكيدو اللغز الكبير في الملحمة. وكيف استطاع
أنكيدو أن يتصرف كإنسان بعدما قدم على أنه إله، فهل كانت غفلة من المؤلف أم أن الأمور
كان عليها السير بهذا الشكل.
يمكن
التقصي من خلال الصلات المتوفرة لدينا بأن شبها مميزا يشترك به
انكيدو وعشتار، وذلك ليس من جانب الألوهية وإنما من جانب السير ضمن تشكل الدال
غير المنضبط باتجاه المدلول، فأنكيدو لا يمتلك دالا اصلا وهو شخصية تخيلية، وسيره نحو
اهدافه محكم بما يتفاعل معه تلقائيا دون المرور بواقعي الذات، وبعبارة أوضح فإن أنكيدو
اقرب للحيوان منه لإله أو إنسان، وليس لديه ارتباط بواقع معين وما حدث معه من تحول
على مستوى الشخصية ينعقد مع علاقته الجنسية بالمرأة التي اضعفت قواه، والغريب أن التحول
في الشخصية فرض بطريقة عارضة خلال هذا اللقاء، وكأن المؤلف له دراية بتأثير الجانب
الجنسي على مستوى التعقل وأخذ الأمور بطريقة مختلفة، هذا يعني أن هناك دالا اقحم في
ذهنية أنكيدو واصبح ينشط في داخله. خلافا لعشتار التي تقاسمه هذا الجانب ولكن بصورة
أقرب إلى الإنسانية، فالدال الذي تحمله يعلم تماما اين يقع المدلول ولكنه أبى أن يبقى
في تواصل أو ارتباط معه ، أما من ناحية تصور عشتار عن
العالم
فهو إنساني بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولكن سلوكها ذهانيا اقترن مع الجنسمثلية.
فما نستطيع تفسيره من ميول متناقضة ومواقف مضطربة إزاء تموز نعدها بنية أساسية لتفسير
عدم الانضباط العاطفي لديها.
اعتقد
أن تناولنا لنصوص خارج إطار الملحمة تخص هذه الشخصيات، سيساعدنا حتما في تفسير أجزاء
بدت غامضة وغير واضحة، بالإضافة إلى ذلك، أن النصوص التي تقع خارج ملحمة جلجامش يمكن
الاتيان بها للاستفادة من حيث تدخل رؤية المؤلف، وما فعله من تغيير أو تعديل ليتناسب
مع المفاهيم المتعلقة بذاته والمجتمع، فباستطاعتنا من خلال ذلك فهم وتحليل سيكولوجية
المؤلف التي ينبغي أن لا نغفل عنها، ذلك أنه في أي عمل فني لابد من أن تدمج الذات صور
تتناسب مع استجابتها النفسية ولا بد من تمهيد لذلك سواء داخل النص أو خارجه، تبقى المسألة
هنا متصلة بكيفية فرز وتنقية أو عزل ما هو للمؤلف ولغيره ؟,والمؤكد أن الرأي السائد
سيذهب إلى التوقيع الكامل لشخصية المؤلف على جميع النصوص، فكل شيء يعود له، ولكنه اظهره
بطريقة تتكيف مع معالم البيئة والطبيعة التي تحيط به. إذ أن العالم بما يشتمل من أشياء
على مستوى الغنى والفقر والحاجة والتنوع، كلها تدخل في مجرى النفس الإنساني مادامت
هناك عملية اكتناز وملاحظة
ومعرفة مشتركة. حتى أن بعض المحللين سواء كان مجالهم
نفسيا أو ثقافيا يعيدون كافة الأحداث والمواقف، كذلك الصفات التي تظهر في العمل إلى
الشخص المؤسس أو صانع العمل، إلا أن هذا الفهم لا نذهب اليه بالطبع لأن الاشتراك في
جانب يخص الميل النفسي ليس بضرورة أن يطرح ويغلف بصورة مغايرة، بل من الممكن أن يحدد
المؤلف مواقفه لما يرفض أو يقبل به دون الاشتراك
بذاته على مستوى معين من تصوير الرمز أو الكتابة وفقا لميله النفسي. كذلك الصلة بين
الكتابة والتصور قد تفرض نفسها بعض الأحيان لما سبقها من نص، وكأن الأمر يشابه نظام
الأرقام في تسلسلها،ولكن الفرق في جانب النص تكون المساحة أكبر إلى الحد الذي يوفر
إمكانية التلاعب والتحويل والإحالة بين المجالات وإدخال بعضها في بعض لتشكيل مواضيع
جديدة. وفي حقيقة الأمر هذا هو الفن إن أردنا وصفه بدقة، أن تتمكن، وأن تخلق امكانيات تستوعب الإمكانية التي
انطلقت منها ، ومن خلال ذلك تتجلى فرص تتناسل في ما بينها لتزيد من بسط السيطرة على
تنوع الصور في آن واحد، وهذا فعلا ما قدمه لنا صاحب الملحمة في غالب نصوصه، حيث استطاع
إبراز تشكيلاته سواء على مستوى الشخوص أو الاحداث بطريقة سردية خالية من الاختلال والركة.
وربما
أن هذا الجهد الذي بذله يطرح علينا مجددا مسألة الزمن الذي استغرق لإنجاز الملحمة،
وأي ذكاء وقوة جعلت المؤلف أن لا يقع في تناقض صريح أو اغفال لمقدمة نص من النصوص.
وأقول أن مسائل كثيرة سنثيرها في بحث مخصص لهذا الأمر، وسنحاول إيجاد اجوبة بخصوص كل
ما نشير اليه، وسوف نسلط الضوء على الكثير من القضايا التي لم تطرح للبحث أو السؤال,
والتوفيق من عند الله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق