الجمعة، 22 يوليو 2016

قصيدة في وطن ام رؤيا لوطن يتشكل.. قراءة نقدية في قصيدة الشاعر حسين الغضبان..بقلم الاستاذ ....حسن المهدي



هو ذا انت ياعراق..........

دوما ما تخرج كلمة خارقة جدار الصوت لتعلن عن نفسها وتفردها في الذائقة الشعرية سواء على مستوى الشعر بصوره عامة ام على مستوى الانجاز الشعري لشاعر معين ..
ولقصيدة الشاعر الفذ حسين الغضبان /هو ذا انت ياعراق / المنشورة على صفحته في 4تموز 2016 نكهة خاصة وذائقة مختلفة تماما عما يتناوله باقي الشعراء من ناحية الرؤيا والمعالجة الفكريه والانسانيه ..
يقول الغضبان مخاطبا العراق:
منجم خير
بلوره حسن 
اشياؤك يرسمها الفحم
صورا تتغنى بها الالام
مركب الله
اعلم ان شراعك تنسجه الشعور
كلما مزقته الحروب
تمخر ضد الريح 
تستبق الوصول
بوصلتك نجمة
اكبر من الشمس
لا اشك
ربما تكون انت بوصلة الطريق
هكذا خلقك ربك
اجمل صبرا
اقدم عهدا
اكبر شهادة ..
.......
بربك قل لي اي وطن بهي يرسم لنا هذا الشاعر البهي ..انه يرسم لنا وطنا اكبر من اي محيط يمكن ان تحده ريشة عاشق بكل
هذا الشغف والاحساس حتى لتخاله يغازل معشوقته لولا ان حائط الصد الذي يحميك الوقوع في الالتباس هو اسم العراق..المعشوق/المعشوقة الذي تصدر القصيدة ورسم عنوانها .. 
العراق /الوطن/الحبيب/ ثلاثية التوحد بهدهدة ملائكية او على اقل تقدير ما تغدقه الام الحنون من عواطف لوليدها ..كيف ؟ ..لان الابن / الحبيب في اوج ازماته ،متعب ومنهك ومثخن الجراح في زمن النكوص والتقهقر وما ادعى وما احوج الى كلمات تشد ازره وتشحذ عزيمته مبعدة عنه شعور العزلة والوحدة الذي قد يرديه قتيلا وللابد .. وها هو الغضبان يغدق عليه من الحنان والتشجيع لينهض من جديد نافثا فيه روح العزيمة والمكابرة
مركب الله /اعلم ان شراعك تنسجه الشعور /كلما مزقته الحروب /
تمخر ضد الريح /تستبق الوصول/بوصلتك نجمة/اكبر من الشمس /ربما تكون انت بوصلة الطريق / لا اشك في ذلك .
اي عنفوان يغرزه الغضبان في محبوبه/وطنه / رغم انه يراه يصارع اقداره امامه وتتكالب الخناجر في خاصرته من الاقرباء قبل الاعداء ..اي شعور بالحميمة والكبر ذاك الذي يخاطب به الوطن المضرج بالدماء ليشد من ازره ويذكره بانه انما هو بوصلة العالم كله معززا ثقته بالتاكيد بانه لا يشك في ذلك .. انه يخاطبه مركب الله هذا بما لم يخاطب شاعرا اخر وطن ..خطاب يثبت اقدام المقاتلين في الملمات لا خطاب شكوى ولا خطاب مواساة او ولولة او نعي وما شابه ... 
فما بالك بشاعر يخاطب وطنا مستباح تنهش به قطعان الذئاب وهو يصارع وجوده فيقول له :
ربما تكون انت بوصلة الطريق/لا اشك في ذلك ..
لله دره الغضبان هذا حين يفرغ على وطنه ثقة من ثقته وصبرا من ايمانه وحبا من عمق احاسيسه النبيلة .. 
عادة ما نرى الشعراء يشكون اوطانهم او يشتكون منها ، لكنما الغضبان هذا لم يشكي ولم يشتكي ..انه عاشق ومتفرد في عشقه وليس مستعدا لان يترك حبيبه/ وطنه وحيدا يصارع قدره دون ان يمد له يد العون مشجعا ومحفزا ومحبا لا يرى في حبيبه الا العظمة والسمو والتفرد ..
هكذا خلقك ربك /اجمل صبرا/اقدم عهدا/اكبر شهادة.
وماذا بعد لوطن يحمل كل هذه الصفات ..مهد الحضارات والذي لم يقنت على ماطول مر به من مصائب واهوال وكان على مدى الدهر موئل ومطمع الغزاة والبرابرة وشذاذ الافاق وان انهار الشهادة فيه هي الاكبر والتي حولها الغضبان الى ميزة ونيشان على صدر حبيبه العراق ..
وماذا عن العراقيين ..نبتات هذا البلد المبتلى 
كيف هم ..كيف يكابدون ويقفون منتصبين ومنتصرين برغم الجراح وطعون الغدر..يقول :
صغارا يتضوعون/ يصيرون رياحين للموت/
اباء لا يفترون/ هم يدركون ان الوصول الى الله /يلزمه عطاء اكبر/
امهات قائمات/يشحن الصبر جمالا/يصككن وجوههن فرحا/ كلما زارتهن الملائكة/يلدن من جديد حكاية اخرى .
اي شعب هذا صغاره ونساؤه ورجاله بهذا الالق يكابدون الامرين ولايتخلون عن وطنهم ..اناس بهذا الكم العظيم من الاصرار والعزيمة هم من يليق بهذا الوطن حتى لقد وجدا في المكان المناسب ليرسما معا انشودة الزمن ويكونا بوصلة العالم لنشيد البقاء والتجدد لادراكهم جنينيا وليس بالاكتساب ان الاستمرار مع هذا الكم الضاغط من التضحيات والتحديات انما بحاجة لديمومة ترتسم فرحا في وجوه الامهات لتتناسل الحياة وتغدق على هذا الوطن عصافير حب جديدة تغطي سحب الدخان الاسود وتجلب الغمام فتمتليء الاشجار بالزقزقات وتتجدد الحياة في كل مرة يظن الاعداء انها الضربة القاصمة ...
هو ذا انت ياعراق.. 
بقعة الله/ركام اللون الاخر/مثلك اهلك/
تراب من ذهب/يصاغ قلادة /تضيء جيد الدنيا/
اذا هو العراق ..بقعة الله والتي تحمل كل نقائض الاضداد وصراع الخير والشر منذ قابيل وهابيل ولليوم ..وصنو (تلك القداسة) اهله المجبولين بتراب من ذهب يتنزين بها قلادة اضاءت جيد الدنيا ..
اي زهو واي مكابرة يباهي هذا النبيل وطنه الاخرين وهو يرسم مجدا وسؤددا سرمديا لوطن مبتلى .. 
وبالمام الملهم
يلفت الغضبان النظر الى :
(حساد..
ياتونك جياعا 
ياكلوك مزقا طيبا ) .. 
فاي وعي متقدم يفلسف به الشاعر كم المخاطر والتداعيات التي تحيط بوطنه فيجملها (بحساد) و ..ياتونك جياعا ..و .. ياكلوك مزقا طيبا .
قد يبدو للوهلة الاولى ان هذا النوع من الخطاب هو مجرد تبسيط لا يستقيم وحجم المحنة على الارض ، لكن المتمعن في الامر سيجد كم الابداع الشعري المتحقق في هذا المقطع الصغير الذي هو كبير بحجمه ومعانيه.
ان شاعرا يمتلك هذا الكم من الوعي الوطني و الفكري والثقافي الذي حقق هذه المعادلة الصعبة ..(وطن غارق بالدماء والمكابدات لكنه ينظر لاعدائه والطامعين على انهم صغارا وتافهين وهم مجرد حساد وجياع) ..نعم فالفرق هنا واضح لان وطن بهذا الامتداد والعمق التاريخي والحضاري لا يمكن ان يكبر اعداؤه لاعلى من ركبتيه ويظلون اقزام ومجرد حساد وجياع لا تحركهم سوى غرائزهم البهيمية وفي الاخير سوف تنتصر وتبقى خالدا يا وطن امام شذاذ الافاق هؤلاء ..
هنا يكمن الابداع وقوة البصيرة والتي تمتزج بالحب الذي يملاء قلب الشاعر لوطنه والذي كان وسيبقى عزيزا كبيرا شامخا امام اعداء لا يملكون ارضية ثقافية وحضارية ولا تاريخ ..
ويستمر الغضبان في المقطع التالي :
هو ذا انت ياعراق
بذرة قديمة
تنفلق ازمانا
لك في كل بقعة سنبلة
تنبت من قنواتك
غذاؤك السري
يسمق نخلا عاليا
يتدلى حلوه
من ارادك
ارهقته صعودا
ارهقته صعودا 
وترتفع نبرة التحدي واثبات الذات في خضم الصراع الحضاري ليتحدث الغضبان عن وطنه بكل عنفوان التاريخ وعلى الامتداد الزمني منذ ماقبل التاريخ وليومنا هذا عارجا لام العراق النخلة التي هي رمز العيش في ارض السواد ومرددا بهتاف سامق بهي ليعطي انطباع الانتصار لوطنه الذي واجه التحديات في فترات تاريخية مختلفة وخرج بها منتصرا في كل مرة ..
( من ارادك
ارهقته صعودا
ارهقته صعودا ) ..
ياله من رائع حسين الغضبان وهو ينشد للتحدي والامل ويبث في ثنايا الوطن واخاديده دماء الامل والتحدي ليقف الوطن على قدميه من جديد لان كل من اراد الوطن بسوء ..اندحر هو وتلاشى فيما عاش الوطن /العراق/ مرفوع الراس عاليا ..
ان الخطاب الشعري انما هو انعكاس لملكة الشاعر الفكرية والثقافية والابداعية وهنا في هذا النص طالعنا الغضبان بنص تميز بالايجابية والتفاؤل وشحذ الهمم وينشد له نشيد النصر واهازيج السؤدد والبطولة رغم الجراح التي تثقل كاهله الا انه يبشر بصعوده وتسلقه سلالم المجد ثانية لان كل من :
ارادك
ارهقته صعودا 
ارهقته صعودا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق